مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٧٣٠ - الأخبار الرواة
دخل الحارث إلى المتوكّل و خبّره بما شاهد من برهان قبر الحسين (عليه السّلام) استشاط غيضا و ازداد بغضا لأهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أمر- لعنه اللّه- بقتل الحارث و أمر أن يشدّ [١] رجله في حبل و يسحب على وجهه في الأسواق ثمّ يصلب في مجتمع الناس، ليكون عبرة لمن اعتبر و لا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبدا.
و أمّا زيد المجنون فانّه ازداد حزنه و اشتدّ عزاؤه، و طال بكاؤه، و صبر حتّى أنزلوه من الصلب، و ألقوه على مزبلة هناك فجاء إليه زيد فاحتمله إلى دجلة و غسّله و كفّنه و صلّى عليه و دفنه، و بقى ثلاثة أيّام لا يفارق قبره و هو يتلو كتاب اللّه عنده، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخا عاليا، و نوحا شجيّا و بكاء عظيما، و نساء بكثرة منشّرات الشعور مشقّقات الجيوب مسوّدات الوجوه و رجالا بكثرة يندبون بالويل و الثبور، و الناس كافّة في اضطراب شديد و إذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال و قد نشرت لها الأعلام و الرايات، و الناس من حولها أفواجا قد انسدّت الطرق من الرجال و النساء.
قال زيد: فظننت أنّ المتوكّل قد مات، فتقدّمت إلى رجل منهم و قلت له: من يكون هذا الميّت؟ فقال: هذه جنازة جارية المتوكّل و هي جارية سوداء حبشيّة و كان اسمها ريحانة، و كان يحبّها حبّا شديدا، ثمّ إنّهم عملوا لها شأنا عظيما و دفنوها في قبر جديد، و فرشوا فيه الورد و الرياحين، و المسك و العنبر و بنوا عليها قبّة عالية فلمّا نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه و تصاعدت نيرانه و جعل يلطم وجهه و يمزّق أطماره و يحثي التراب على رأسه و هو يقول: وا ويلاه وا أسفاه عليك يا حسين أ تقتل [٢] بالطفّ غريبا وحيدا ظمآنا شهيدا، و تسبى نساؤك و بناتك و عيالك، و تذبح أطفالك، و لم يبك عليك أحد من الناس، و تدفن بغير غسل و لا كفن، و يحرث بعد ذلك قبرك ليطفئوا نورك، و أنت ابن عليّ المرتضى و ابن فاطمة الزهراء، و يكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء و لم يكن الحزن و البكاء لابن محمّد المصطفى (صلى اللّه عليه و آله).
قال: و لم يزل يبكي و يا نوح حتّى غشي عليه و الناس كافّة ينظرون إليه فمنهم من
[١]- في الأصل: يسئد به.
[٢]- القتيل/ خ.