مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٩٤ - الكتب
الأرض جثّة بلا رأس و لا غسل و لا كفن، قد سفت عليه السوافي، و بدنه مرضوض قد هشمته الخيل بحوافرها، زوّاره وحوش القفار، و ندبته جنّ السهول و الأوعار، (و) قد أضاء التراب من أنواره، و أزهر الجوّ من أزهاره.
فلمّا رأته الطيور، تصايحن و أعلنّ بالبكاء و الثبور، و تواقعن على دمه يتمرّغن فيه، و طار كلّ واحد منهم إلى ناحية يعلم أهلها عن قتل أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)، فمن القضاء و القدر أنّ طيرا من هذه الطيور قصد مدينة الرسول، و جاء يرفرف و الدم يتقاطر من أجنحته و دار حول قبر سيّدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعلن بالنداء: ألا قتل الحسين (عليه السّلام) بكربلاء، ألا ذبح الحسين بكربلاء! فاجتمعت الطيور عليه و هم يبكون عليه و ينوحون.
فلمّا نظر أهل المدينة من الطيور ذلك النوح، و شاهدوا الدم يتقاطر من الطير، لم يعلموا ما الخبر حتّى انقضت مدّة من الزمان، و جاء خبر مقتل الحسين (عليه السّلام) علموا أنّ ذلك الطير كان يخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بقتل ابن فاطمة البتول، و قرّة عين الرسول (صلى اللّه عليه و آله).
و قد نقل أنّه كان في ذلك اليوم الذي جاء فيه الطير إلى المدينة، كان في المدينة رجل يهوديّ له بنت عمياء زمناء طرشاء مشلولة، و الجذام قد أحاط ببدنها، فجاء ذلك الطائر و الدم يتقاطر منه، و وقع على شجرة، يبكي طول ليلته، و كان اليهوديّ قد أخرج ابنته تلك المريضة إلى خارج المدينة إلى بستان و تركها في البستان الذي جاء الطير و وقع فيه، فمن القضاء و القدر أنّ تلك الليلة عرض لليهوديّ عارض فدخل المدينة لقضاء حاجته، فلم يقدر أن يخرج تلك الليلة إلى البستان التي فيها ابنته المعلولة، و البنت لمّا نظرت أباها لم يأت [١] تلك الليلة لم يأتها نوم لوحدتها، لأنّ أباها كان يحدّثها و يسلّيها حتّى تنام.
فسمعت عند السحر بكاء الطير و حنينه، فبقيت تتقلّب على وجه الأرض إلى أن صارت تحت الشجرة التي عليها الطير، فصارت كلّما حنّ ذلك الطير تجاوبه من قلب
[١]- في البحار: يأتها.