مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٢٢ - خاتمة
فكان من أمره ما كان.
و إنما أردنا بذكر هذه الجملة، أنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجّهة، و أنّ الاتّفاق السيّئ عكس الأمر إلى ما يروون [١] من صيره و استسلامه و قلّة ناصره على الرجوع إلى الحقّ دينا أو حميّة، فقد فعل ذلك نفر منهم حتّى قتلوا بين يديه شهداء، و مثل هذا يطمع فيه و يتوقّع في أحوال الشدّة.
فأمّا الجمع بين فعله و فعل أخيه الحسن فواضح صحيح لأنّ أخاه سلّم كفّا للفتنة، و خوفا على نفسه و أهله و شيعته، و إحساسا بالغدر من أصحابه، و هذا (عليه السّلام) لمّا قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه و وثق له، و رأى من أسباب قوّة نصّار الحقّ و ضعف نصّار الباطل ما وجب معه عليه الطلب و الخروج، فلمّا انعكس ذلك، و ظهرت أمارات الغدر فيه، و سوء الاتّفاق، رام الرجوع و المكافّة و التسليم كما فعل أخوه، فمنع من ذلك و حيل بينه و بينه، فالحالان متّفقان إلّا أنّ التسليم و المكافّة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه (عليه السّلام)، و لم يجب إلى الموادعة، و طلبت نفسه (عليه السّلام)، فمنع منها بجاهده حتّى مضى كريما إلى جنّة اللّه و رضوانه، و هذا واضح لمتأمّله، انتهى كلامه رفع اللّه في الجنّة مقامه [٢].
أقول: قد مضت في كتاب الإمامة و كتاب غصب الخلافة و كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السّلام) و غيرها أخبار كثيرة دالّة على أنّ كلّا منهم (عليهم السّلام) كان مأمورا بامور خاصّة مكتوبة في الصحف السماويّة النازلة على الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فهم كانوا يعملون بها، و لا ينبغي قياس الأحكام المتعلّقة بهم على أحكامنا، و بعد الاطّلاع على أحوال الأنبياء (عليهم السّلام) و أنّ كثيرا منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة، و يسبّون آلهتهم، و يدعونهم إلى دينهم، و لا يبالون بما ينالهم من المكاره و الضرب و الحبس و القتل و الإلقاء في النار و غير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمّة الدين، (و خلفاء رسول ربّ العالمين) في أمثال ذلك، مع أنّه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين و النصوص المتواترة، لا مجال للاعتراض عليهم بل يجب التسليم لهم في كلّ ما يصدر عنهم.
[١]- في المصدر: ما يرون.
[٢]- ص ١٧٥ و البحار: ٤٥/ ٩٦.