الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٨٩
..........
الأكثرين، و لم يخالف فيه إلا النّظّام، فإنه زعم أنه جسم، و جعله الأشعرىّ اصطكاكا في الجواهر بعضها لبعض، و قال أبو بكر بن الطيب: ليس الصوت نفس الاصطكاك، و لكنه معنى زائد عليه، و للاحتجاج على القولين و لهما موضع غير هذا، و لو قدّرت الكلام صفة قائمة بنفس الحجر و الشّجر، و الصوت عيارة عنه، لم يكن بدّ من اشتراط الحياة و العلم مع الكلام، و اللّه أعلم: أى ذلك كان، أ كان كلاما مقرونا بحياة و علم، فيكون الحجر به مؤمنا، أو كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة؟ و فى كلا الوجهين هو علم من أعلام النّبوءة [١]، و أما حنين الجذع فقد سمى حنينا، و حقيقة الحنين يقتضى شرط الحياة، و قد يحتمل تسليم الحجارة أن يكون مضافا فى الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن، يعمرونها، فيكون مجازا من قوله تعالى: (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) [٢] و الأول أظهر، و إن كانت كل صورة من هذه الصور التي ذكرناها فيها علم على نبوته- (عليه السلام)- غير أنه لا يسمى معجزة [٣] فى اصطلاح المتكلمين إلا ما تحدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته.
[١] ليس لأحد أن يتكلم عن حقيقة مثل هذا، فاللّه وحده هو أعلم بالحقيقة.
[٢] القرية- كما يقول الراغب فى مفرداته- اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، و للناس جميعا. و بهذا لا يكون فى الآية مجاز كما هو المشهور.
[٣] يجب أن نسميها بما سمى اللّه، و هى: آية، و بهذا تتجاوب الكلمة مع سكينة القلب و الفكر و تقديسهما، و نخلصها مما دار حول المعجزة من جدال، و اضطرم من شحناء و موازنات بينها و بين السحر و الكرامة. و اللّه سبحانه يسمى ما أعطاه للرسل آيات، لا معجزات فلنقف عند هذا.