الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١١٤
..........
من مائها أبو ذر- رضى اللّه عنه- ثلاثين بين يوم و ليلة، فسمن حتى تكسّرت عكنه، [و ما وجد على كبده سخفة [١] جوع] فهى إذا كما قال رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فى اللبن: إذا شرب أحدكم اللبن، فليقل: اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه، فإنه ليس شيء يسدّ مسدّ الطعام و الشّراب إلا اللبن، و قد قال اللّه تعالى فى اللبن: (من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين) النحل: ٦٦. فظهرت هذه السّقيا المباركة بين الفرث و الدّم، و كانت تلك من دلائلها المشاكلة لمعناها.
و أما قوله: الغراب الأعصم، قال القتبىّ: الأعصم من الغربان الذي فى جناحيه بياض، و حمل على أبى عبيد لقوله فى شرح الحديث: الأعصم الذي فى يديه بياض، و قال: كيف يكون للغراب يدان؟. و إنما أراد أبو عبيد أن هذا الوصف لذوات الأربع؛ و لذلك قال: إن هذا الوصف فى الغربان عزيز، و كأنه ذهب إلى الذي أراد ابن قتيبة من بياض الجناحين، و لو لا ذلك لقال:
إنه فى الغربان محال لا يتصور. و فى مسند ابن أبى شيبة من طريق أبى أمامة عن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- ما يغنى عن قوليهما، و فيه الشّفاء: أنه قال:
قال رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم): المرأة الصالحة فى النساء كالغراب الأعصم قيل: يا رسول اللّه، و ما الغراب الأعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه بيضاء [٢].
[١] جمع عكنة: الطى الذي فى البطن من السمن، و يجمع على أعكان أيضا و السخفة: الهزال.
[٢] و عن الأزهرى فى اللسان: أنه الأحمر الرجلين لقلته فى الغربان، لأن أكثر الغربان: السود البقع. هذا و العرب تجعل البياض حمرة، فيقال للمرأة البيضاء: الحمراء