الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٧٤
..........
لتفرض عليه الصلاة، و ليصلّى بملائكة السموات، و من شأن الصلاة: الطّهور، فقدّس ظاهرا و باطنا، و غسل بماء زمزم.
و فى المرة الأولى بالثلج لما يشعر الثلج من ثلج اليقين و برده على الفؤاد، و كذلك هناك حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به و بوحدانية ربه.
و أما فى الثانية، فقد كان موقنا منبّأ، فإنما طهّر لمعنى آخر، و هو ما ذكرناه من دخول حضرة القدس و الصلاة فيها، و لقاء الملك القدّوس، فغسله روح القدس بماء زمزم التي هى هزمة روح القدس، و همزة عقبه [١] لأبيه إسماعيل (عليه السلام)- و جئ بطست ممتلئ حكمة و إيمانا، فأفرغ فى قلبه، و قد كان مؤمنا، و لكن اللّه تعالى قال: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ الفتح: ٤ و قال: وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً المدثر: ٣١. فإن قيل: و كيف يكون الإيمان و الحكمة فى طست من ذهب، و الإيمان عرض، و الأعراض لا يوصف بها إلا محلّها الذي تقوم به، و لا يجوز فيه الانتقال، لأن الانتقال من صفة الأجسام، لا من صفة الأعراض؟ قلنا:
إنما عبّر عما كان فى الطّست بالحكمة و الإيمان، كما عبّر عن اللبن الذي شربه، و أعطى فضله عمر- رضى اللّه عنه- بالعلم، فكان تأويل ما أفرغ فى قلبه حكمة و إيمانا، و لعل الذي كان فى الطّست كان ثلجا و بردا- كما ذكر فى
[١] هزم البئر: حفرها، و الهمزة: النقرة، هذا و سيأتى بيان أن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء بنص القرآن و الأحاديث الصحيحة. هذا و قوله: كأنى أعاين الأمر معاينة يؤكد أنه رؤيا منامية.