الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٩٧
قريش نفر. قال: و الأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فحرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام، فنى ماء عبد المطلب و أصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم، و قالوا: إنّا بمفازة، و نحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم، و ما يتخوّف على نفسه و أصحابه، قال: ما ذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإنى أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة- فكلّما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته ثم و اروه- حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كلّ واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: و اللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب فى الأرض، و لا نبتغى لأنفسنا، لعجز، فعسى اللّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا، و من معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم اعلون، تقدّم عبد المطّلب إلى راحلته فركبها. فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب، و كبّر أصحابه، ثم نزل فشرب، و شرب أصحابه، و استقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا اللّه، فاشربوا استقوا، فجاءوا، فشربوا و استقوا. ثم قالوا: قد- و اللّه- قضى لك علينا يا عبد المطّلب، و اللّه لا نخاصمك فى زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع
..........