الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٢٨
..........
و أما قوله: لا صخب فيه، و لا نصب، فإنه أيضا من باب ما كنا بسبيله،
مذموم، و ما كان منها بحق و عدل و مجازاة على القبيح، فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل و ظلم حسن من المجازى له أن يخدعه بحق و عدل، و كذلك إذا مكر و استهزأ ظالما متعديا، كان المكر به و الاستهزاء عدلا حسنا، كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف، و ابن أبى الحقيق، و أبى رافع و غيرهم ممن كان يعادى رسول اللّه «ص» فخادعوه حتى كفوا شره و أذاه بالقتل، و كان هذا الخداع و المكر نصرة للّه و رسوله .. و جزاء المسيء بمثل إساءته جائز فى جميع الملل مستحسن فى جميع العقول؛ و لهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخواته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه، حيث أظهروا أمرا و أبطنوا خلافه، ثم قرر أن هذه الأفعال لا يجوز ذمها على الإطلاق، و لا مدحها على الإطلاق، كما لا يجوز أن يشتق منها أسماء و صفات للّه سبحانه؛ لأن اللّه لا يوصف إلا بالأنواع المحمودة على الإطلاق، و لهذا لم يرد فى أسمائه الحسنى: المريد أو المتكلم أو الفاعل أو الصانع؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح و مذموم، فلا يجوز مطلقا اشتقاق الماكر و المخادع و المستهزئ مما ورد فى الآيات، و تسمية اللّه بها، لأنه سبحانه لم يصف نفسه بالكيد و المكر و الخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق .. فلا يكون الاستهزاء و المكر و الخداع منه قبيحا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداء لا على سبيل المقابلة .. فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازاة؛ إذ الموجب للمجاز منتف»
و أقول: كل مسلم يتدبر القرآن لا يشعر أبدا بمثل ما يفتريه المعطلة و الجهمية و لا يخر على آياته أصم أعمى، و يغمر قلبه اليقين بأن اللّه الذي من علينا فعلمنا البيان يستحيل أن تحكم عليه بأنه أخطأ فى البيان عن صفاته و أسمائه و أفعاله، أو أراد أن يضللنا بألفاظ لا يراد بها معانيها التي لها فى لغة القرآن، فلنصف اللّه بما وصف به نفسه، و لنسمه بما سمى به نفسه، و لننسب إليه ما نسبه هو إلى نفسه جل جلاله دون تأويل أو تحريف أو تمثيل أو تشبيه أو تعطيل لشىء من هذا كله فإننا نؤمن بأن قوله- سبحانه- هو الحق، و أنه ليس كمثله شيء.