الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢١٩
فخرج به عمّه أبو طالب سريعا، حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا فيما روى الناس: أن زريرا و تمّاما و دريسا- و هم نفر من أهل الكتاب- قد كانوا رأوا من رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- مثل ما رآه بحيرى فى ذلك السفر الذي كان فيه مع عمّه أبى طالب، فأرادوه، فردّهم عنه بحيرى، و ذكّرهم اللّه و ما يجدون فى الكتاب من ذكره و صفته، و أنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه، و لم يزل بهم، حتى عرفوا ما قال لهم، و صدّقوه بما قال، فتركوه و انصرفوا عنه. فشبّ رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- و اللّه تعالى يكلؤه، و يحفظه و يحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته و رسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، و أحسنهم خلقا، و أكرمهم حسبا، و أحسنهم جوارا، و أعظمهم حلما، و أصدقهم حديثا، و أعظمهم أمانة، و أبعدهم من الفحش و الأخلاق التي تدنّس الرجال، تنزّها و تكرّما، حتى ما اسمه فى قومه إلا الأمين، لما جمع اللّه فيه من الأمور الصالحة.
و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- فيما ذكر لى- يحدّث عما كان اللّه يحفظه به فى صغره و أمر جاهليته، أنه قال:
لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلّنا قد تعرّى، و أخذ إزاره، فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك و أدبر، إذ لكمنى لا كم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال:
شدّ عليك إزارك. قال: فأخذته و شددته علىّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى و إزارى علىّ من بين أصحابى.
..........