الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٤٦
تلك، فلقد أدمت بالرّكب، حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا و عجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منّا امرأة إلا و قد عرض عليها رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، و ذلك: أنا إنما كنّا نرجو المعروف من أبى الصبىّ، فكنّا نقول: يتيم! و ما عسى أن تصنع أمّه و جدّه! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: و اللّه إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى و لم آخذ رضيعا، و اللّه لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم، فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلى، عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، و ما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته، رجعت به إلى رحلى فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، و شرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، و ما كنّا ننام معه قبل ذلك، و قام زوجى إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، و شربت معه حتى انتهينا ريّا و شبعا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبى حين أصبحنا.
تعلّمى و اللّه يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: و اللّه إنى لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا و ركبت أتانى، و حملته عليها معى، فو اللّه لقطعت بالرّكب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إنّ صواحبى ليقلن لى:
يا بنة أبى ذؤيب، ويحك! اربعى علينا، أ ليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى و اللّه، إنها لهى هى، فيقلن: و اللّه إن لها لشأنا. قالت:
ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد. و ما أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب منها.
فكانت غنمى تروح علىّ حين قدمنا به معنا شباعا لبنا. فنحلب و نشرب.
..........