الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١١٦
..........
ذلك، ثم جاء عثمان، فانتبذ منهم ناحية؛ و قعد حجرة [١]. قال سعيد بن المسيّب: فأوّلت ذلك قبورهم، اجتمعت قبور الثلاثة، و انفرد قبر عثمان- رضى اللّه عنه- و اللّه سبحانه يقول: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) الحجر: ٧٥. فهذا من التّوسّم و الفراسة الصادقة، و إعمال الفكر فى دلائل الحكمة، و استنباط الفوائد اللطيفة من إشارات الشريعة. و أمّا قرية النمل، ففيها من المشاكلة أيضا، و المناسبة: أن زمزم هى عين مكّة التي يردها الحجيج و العمّار من كل جانب، فيحملون إليها البرّ و الشّعير، و غير ذلك و هى لا تحرث و لا تزرع، كما قال سبحانه خبرا عن إبراهيم (عليه السلام): (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ). إلى قوله: (وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] إبراهيم: ٣٧) و قرية النمل لا تحرث و لا تبذر، و تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، و فى مكّة قال اللّه سبحانه: (وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ) النحل: ١١٢. مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قريت الماء فى الحوض: إذا جمعته، و الرّؤيا تعبّر على اللفظ تارة، و على المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظ و المعنى فى هذا التأويل- و اللّه أعلم.
من صفات زمزم:
و قد قيل لعبد المطّلب فى صفة زمزم: لا تنزف أبدا، و لا تذمّ [٢]،
[١] قعد حجرة: أى ناحية.
[٢] نزفت- بفتح النون و الزاى- ماء البئر نزفا: إذا نزحته كله، و نزفت هى-