الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١١٥
..........
فالغراب فى التأويل: فاسق، و هو أسود، فدلّت نقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشىّ بمعوله فى أساس الكعبة يهدمها فى آخر الزمان، فكان نقر الغراب فى ذلك المكان يؤذن بما يفعله الفاسق الأسود فى آخر الزمان بقبلة الرّحمن، و سقيا أهل الإيمان، و ذلك عند ما يرفع القرآن، و تحيا عبادة الأوثان، و فى الصحيح عن رسول- (صلى الله عليه و سلم)-: «ليخرّبنّ الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة [١]» و فى الصحيح أيضا من صفته: أنه [أسود] أفحج، [يقلعها حجرا حجرا] و هذا أيضا ينظر إلى كون الغراب أعصم؛ إذ الفحج: تباعد فى الرّجلين، كما أن العصم اختلاف فيهما، و الاختلاف: تباعد و قد عرف بذى السّويقتين، كما نعت الغراب بصفة فى ساقيه، فتأمّله، و هذا من خفىّ علم التأويل، لأنها كانت رؤيا، و إن شئت: كان من باب الزّجر و التّوسّم الصّادق [٢] و الاعتبار و التفكير فى معالم حكمة- اللّه تعالى- فهذا سعيد بن المسيّب، و هو من هو علما و ورعا حين حدّث بحديث البئر فى البستان، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)- قعد على قفّها [٣]، و دلىّ رجليه فيها، ثم جاء أبو بكر رضى اللّه عنه- ففعل مثل ذلك، ثم جاء عمر- رضى اللّه عنه- ففعل مثل
[١] الحديث متفق عليه، و فى أبى داود بسند ضعيف: «اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة»، و السويقتان مثنى سويقة: تصغير لساق، و هى مؤنثة. و قد صغر الساق، لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة و الحموشة، و قد أبعد السهيلى و أغرب فى تأويلاته.
[٢] الزجر: أصله هو التيمن و التشؤم بالطير، و التفؤل بطيرانها كالسانح و البارح، و هو نوع من الكهانة و العيافة. و التوسّم، أو الفطنة، أو الزكانة: الاعتبار
[٣] قف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها.