كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٥٤ - الجهة الأولى
ذلك الوقت يحتاج إلى دليل شرعي، والشرع خال منه، بل إجماعنا منعقد بغير خلاف على أنّه لا يجب إلّا بعد مؤونة الرجل طول سنته، فإذا فضل بعد ذلك شيء أخرج منه الخمس من قليله أو كثيره، وأيضاً فالمؤونة لا يعلمها ولا يعلم كميّتها إلّا بعد تقضّي سنته"[١].
ويمكن الاستدلال لما ذهب إليه ابن إدريس بأُمور:
الأوّل: ما ذكره ابن إدريس من الأصل، لكن بتقريب آخر- لعدم صحّة التمسّك بأصل البراءة هنا، وهو واضح ولعلّه يعني به ما نعنيه- حاصله: دعوى إجمال دليل استثناء المؤونة على تقدير عدم قبول ظهور الاستثناء في البعدية الزمانية، فتكون البعدية الواردة في قوله" الخمس بعد المؤونة" مردّدة بين البعديّة الزمانيّة والبعديّة الرتبيّة، ولا معيّن لأحدهما، فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منهما، وهو المؤونة بعد السنة، مع استصحاب عدم تعلّق الوجوب بالربح إلى ذلك الحين.
ويرد عليه:
أوّلًا: لا موجب لدعوى إجمال البعديّة في دليل استثناء المؤونة، بل هي ظاهرة في البعديّة الرتبيّة لا الزمانيّة، وذلك كما نجده في قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ فإنّ البعديّة في ذاتها لا تتضمّن معنى الزمانيّة أو الرتبيّة، وإنّما يفهم ذلك ممّا تضاف إليه كلمة" بعد"، فإنْ أُضيفت إلى ما تضمّن معنى المكان أو الزمان فُهِمَ منها معنى البعدية الزمانية أو المكانية، أمّا إذا كان المضاف إليه غير متضمّن معنى الزمان أو المكان فيكون المتبادر من البعديّة، البعديّة بلحاظ الرتبة، كما هو الحال فيما أُضيفت إليه كلمة" بعد" في آية الميراث، فإنّ الوصيّة أو الدين غير متضمّنتين لمعنى الزمان أو المكان، فلا يفهم من إضافة" بعد" إليهما إلّا معنى البعديّة الرتبيّة، والحال نفسه في ما نحن فيه، فإنّ كلمة" المؤونة" لا تتضمّن
[١] . السرائر ٤٨٩: ١.