كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٩٨ - المسألة الثانية
والصحيح أنّ أصناف الناس تختلف في احتساب مؤونتها باختلاف نوع العمل الاقتصادي وما يدرّه عليهم من الربح، فالزرّاع- مثلًا- في الغالب يحتسبون مؤونتهم على مقياس السنة؛ لأنّها هي المدة التي يتجدّد لهم فيها الربح، أمّا التجّار فقد يختلفون بإختلاف أنواع تجاراتهم والمدة التي يتجدّد لهم الربح فيها، غير أنّ أعلى مقاييس حصول الربح في العادة لا يتجاوز السنة الواحدة، فإنّ أطول الأرباح زمناً هي أرباح الغلّات والزراعات، وهي لا تتجاوز في مدَّتها السنّة، فالمقطوع به عندئذ من النصوص عدم شمول إطلاق المؤونة فيها لما يزيد عن مؤونة السنة، لانصرافه عنها قطعاً، أمّا ما دون السنة من الأزمنة، فليس في النصوص ما يوجب تقييد المؤونة بحدّ خاص منها.
وحينئذ فمقتضى إطلاق النصّ شمول المؤونة لجميع مؤن السّنة، لأنّ موضوع وجوب الخمس ليس مطلق الربح، بل الربح الفائض عن المؤونة، وما دام إطلاق المؤونة منصرفاً عمّا زاد عن مؤونة السنة فتبقى مؤونة ما دونها مندرجة تحت شمول الإطلاق، وحينئذ فبحصول الربح الأوّل من العمل الاقتصادي يمكن لصاحب الربح أن يستثني مؤونة سنته كلّها، فإنْ فضل شيء من هذا الربح بعد استثناء المؤونة تعلّق به الخمس، وإن لم يفضل شيء من الربح فلا موضوع لوجوب الخمس.
ثمّ إذا حصل الربح الثاني بعد مدّة شهر- مثلًا- من الربح الأوّل، فإن كان الربح الأوّل قد غطّى مؤونة السنة كلّها، كان الربح الثاني جميعه موضوعاً لوجوب الخمس لأنّه فائض عن المؤونة، وإن غطّى بعض المؤونة لا جميعها، استثنى من الربح الثاني ما تبقى من مؤونة السنة، فإن فضل من الربح الثاني شيء بعد استثناء الباقي من مؤونة السنة، تعلّق به الخمس، وإن لم يفضل شيء منه انتفى وجوب الخمس موضوعاً، وهكذا إلى رأس السنة، فيكون الناتج استثناء مؤونة السنة من الربح.
والحاصل قصور الدليل عن استثناء ما يزيد على مؤونة السنة من الربح؛ لانصراف إطلاق النص عنه.