كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣١٨ - القسم الأول
والحقّ الذي يشهد له المتبادر من كلمة المؤونة في الوجدان العرفي لدى أهل اللغة: صدق المؤونة على نفس الدين بما هو دين، وصدق الصرف في المؤونة على وفاء الدين صدقاً موضوعياً؛ فإنّ النظرة التي ينظر بها العرف إلى وفاء الدين السابق، هو النظرة الموضوعية أي كونه مؤونة بما هو هو. ولقد بيّنا سابقاً عند تعرضنا لتحديد مفهوم المؤونة عرفاً، أنّ معناها الحاجة التي تثقل كاهل الإنسان، وأيّ حاجة أشدّ من حاجة الدين ثقلًا على كاهل الإنسان المدين.
إنّ الذي يراجع الوجدان العرفي، يجد بوضوح أنّ العرف يعتبر الدين بنفسه بغضّ النظر عن أسبابه ودواعيه مؤونة وثقلًا على كاهل الإنسان. ومن أهمّ الحاجات التي يهتمّ الإنسان بقضائها، بل وكثيراً مّا يضيّق على نفسه في سائر ما يحتاج إليه، لكي يوفّر المال الذي يؤدّي به دينه.
إذاً، فما ذكره بعض الأعلام من أنّ" أصل هذه النظرة الطريقية المشيرة- يقصد إلى الدين- لا ينبغي التشكيك فيها"[١]. بعيد عن الصواب كل البعد! بل الذي لا ينبغي التشكيك فيه، هو النظرة الموضوعية إلى الدين. ولذلك ذهب أكثر الأعلام تبعاً للشيخ الأعظم- في رسالته- إلى أنّ وفاء الدين مطلقاً من مؤونة سنة الوفاء، وأكّد ذلك السيّد الأُستاذ المحقق الخوئيّ فقال:" والظاهر، تحقق الصدق المذكور- أي صدق المؤونة على أداء الدين السابق- فإنّ منشأ هذا الدين وإن كان قد تحقق سابقاً إلّا أنه بنفسه مؤونة فعليّة لاشتغال الذمّة به ولزوم الخروج عن عهدته سيما مع مطالبة الدائن، بل هو حينئذ من أظهر مصاديق المؤونة"[٢].
[١] . كتاب الخمس للسيد الهاشمي ٢٩٢: ٢.
[٢] . مستند العروة الوثقى، كتاب الخمس: ٢٦٧.