كتاب الخمس - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١١٠ - الاعتراض الثالث
أنّ احتمال القرينة المتصلة في آيات القرآن لا يمكن دفعها بهذه الشهادة السكوتية، لأنّ الناقل لآيات القرآن ملتزم بعدم نقل غير النصّ القرآني وإن كان قرينة مؤثرة في معناه. وبهذا تظهر مشكلة عامّة في الظهورات القرآنية كلّما احتمل وجود قرينة متصلة خارج النصّ القرآني مؤثرة في معناه، كالقرينة الحالية أو اللبيّة. وما نحن فيه من هذا القبيل، فالآية مجملة لا ظهور فيها ليمكن التمسُّك بإطلاقها[١].
والجواب على هذا الاعتراض:
أمّا في عامة النصّ القرآني فبوجوه كثيرة منها:
أوّلًا: إنّ شأن القرآن- باعتباره كتاباً هادياً وفرقاناً وفصلًا- لا ينسجم مع اعتماده على القرائن غير اللفظية الخارجة عن المتن، كما هو الحال في كل نصّ من هذا القبيل.
ثانياً: لم يكن تأكيد الرسول (ص) على المسلمين في حفظ القرآن والاهتمام به مقتصراً على الجانب اللفظي، بل كان يعمّ جانب المعنى أيضاً، ولهذا السبب كان المسلمون يهتمّون بمعاني الآيات ومقاصدها كما يهتمّون بنصّها ولفظها، وكانوا لا يدعون حالة أو ظاهرة مؤثرة في فهم معاني الآيات إلّا ويحفظونها ثمّ ينقلونها بمنتهى الدقّة ورعاية الأمانة، وعلى هذا جرى ديدنهم في عصر الرسول (ص) وما بعده، فلو وجدت قرينة حاليّة أو لبّية مؤثّرة في فهم المعنى من لفظ الآية كان لابدّ أن يتناقلها المسلمون جيلا بعد جيل. ولوصلنا ذلك بطرق النقل المتعارفة.
ثالثاً: ليس من دأب العقلاء في النصوص التي يخاطبون بها الناس عامّة- خاصّة- التي تشمل في خطابها الغائبين والأجيال القادمة- الاعتماد على القرائن غير اللفظيّة. فاعتماد النصّ القرآني المنزّل للناس كافة على قرائن غير لفظيّة في الدلالة على مقاصده، يعني الخروج عن الأُسلوب العقلائي المتعارف في مجال التفاهم. ولو كان للقرآن الكريم منهج متميّز عن المنهج العقلائي في التفاهم لدلّ
[١] . كتاب الخمس للسيّد الهاشمي ١٢: ٢- ١٣. نقل بتصرف وتلخيص.