اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٤٣٠ - الاستدلال على البرائة بحديث «الحجب»
الاستدلال على البرائة بحديث «الحجب»
ومنها: ما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» [١].
ولا يخفى عليك أنّ هذا الحديث لو تمّ دلالته على البرائة لكان في عرض أدلّة الاحتياط ووقع التعارض بينهما، لا أنّ أدلّة الاحتياط تتقدّم عليه.
وذلك لأنّ مضمونه يساوق مضمون «حديث الرفع [٢]» ويدلّ على رفع غيرالمعلوم من التكاليف عن العباد، ووجوب الاحتياط ولو كان نفسيّاً [٣] لايقتضي تبدّل التكليف المجهول معلوماً.
إنّما الكلام في دلالته على البرائة.
فربما يقال: إنّ حديث «الحجب» لا يرتبط بالمقام، فإنّ للَّهتعالى أحكاماً سكت عنها ولم يبيّنها للعباد [٤]، إمّا لأجل التوسعة والتسهيل عليهم، أو لأجل مانع غيرمعلوم لنا، ولذا ورود في بعض الأخبار: «اسكتوا عمّا سكت اللَّه» [٥] فقوله عليه السلام: «ماحجب اللَّه علمه عن العباد» يكون بمعنى «ما سكت اللَّه عنه ولم يبيّنه للعباد».
والكلام في مسألة البرائة إنّما هو في الأحكام التي بيّنها اللَّه للعباد إلّاأنّها لم تصل إلينا وكلّما فحصنا عنها في مظانّها ماوجدناها، لأنّ الأعداء وغاصبي
[١] وسائل الشيعة ٢٧: ١٦٣، كتاب القضاء، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٣٣.
[٢] لأنّ «الوضع» إذا عدّي ب «عن» كان بمعنى الرفع، فكان معنى الحديث أنّ «ما كان من التكاليف محجوباً عن العباد ولا يعلمونه فهو مرفوع عنهم» وهذا عين مفاد «حديث الرفع». م ح- ى.
[٣] والحقّ أنّ وجوبه طريقي لا نفسي. منه مدّ ظلّه.
[٤] فالأحكام على ثلاثة أقسام: أ- ما سكت اللَّه تعالى عنه ولم يبيّنه للعباد، ب- ما بيّنه ولكنّه لم يصل إلينا، ج- ما وصل إلينا وعلمنا به، ومورد أصالة البرائة هو القسم الثاني منها كما لا يخفى. م ح- ى.
[٥] عوالي اللئالي ٣: ١٦٦.