اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٣٤ - استحالة جعل الحجّيّة للقطع ونفيها عنه
وهذا بخلاف الامور العقليّة الضروريّة، إذ ليس للشارع أن يوافقها تارةً ويخالفها اخرى، لأنّها أساس الشرع، وملاك حجّيّة قول الشارع، حيث إنّ لزوم إطاعته ينتهي إلى حكم عقلي فطري، فلو تزلزل الأحكام العقليّة لتزلزل الأحكام الشرعيّة أيضاً، لابتنائها عليها، بخلاف الأحكام العقلائيّة.
إن قلت: فكيف يكون الظلم قبيحاً عقلًا ومحرّماً شرعاً، هل هذا إلّاحكم الشارع في مورد حكم العقل؟!
قلت: ما حكم به الشرع في باب الظلم غير ما حكم به العقل، فإنّ العقل يدرك قبحه، والشارع يحكم بحرمته بملاك هذا القبح، فحكم العقل بقبح الظلم يكون بمنزلة العلّة لحكم الشرع بحرمته.
والحاصل: أنّ في باب الظلم حكمين متغايرين: أحدهما عقلي، والآخر شرعي، بخلاف مسألة حجّيّة القطع، فإنّها بوحدتها تكون من أحكام العقل تارةً، ومن أحكام الشرع اخرى لو قلنا بجعلها من قبل الشارع.
وهذا الذي ألجأنا إلى حمل الأمر في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ» [١] على الإرشاد، لأنّ مولويّته تستلزم محاذير منها اللغويّة.
وبذلك انقدح عدم إمكان نفي الحجّيّة عن القطع أيضاً، فإنّك عرفت أنّ الأحكام العقليّة الضروريّة التي منها حجّيّة القطع أساس الشرع، فإنّ إثبات الصانع ووحدانيّته وحجّيّة قول الشارع وسائر المسائل المتفرّعة على هذه الامور تبتني على الإدراكات العقليّة الضروريّة، فمخالفتها ولو من قبل الشارع تستلزم تزلزل بنيان الشرع أيضاً.
[١] النساء: ٥٩.