اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٩٩ - رأى المحقّق النائيني رحمه الله في الاصول غير المحرزة
ومنجّزاً للواقع وموصلًا إليه، كما أنّه يمكن أخذه موضوعاً لما يكون مؤمّناً عن الواقع- حسب اختلاف مراتب الملاكات النفس الأمريّة ومناطات الأحكام الشرعيّة- فلو كانت مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع كان عليه جعل المتمّم- كمصلحة احترام المؤمن وحفظ نفسه- فإنّه لمّا كان حفظ نفس المؤمن أولى بالرعاية وأهمّ في نظر الشارع من مفسدة حفظ دم الكافر، اقتضى ذلك تشريع حكم ظاهري طريقي بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ، حفظاً للحمى وتحرّزاً عن الوقوع في مفسدة قتل المؤمن، وهذا الحكم الطريقي إنّما يكون في طول الحكم للواقع، نشأ عن أهمّيّة المصلحة الواقعيّة، ولذا كان الخطاب بالاحتياط خطاباً نفسيّاً وإن كان المقصود منه عدم الوقوع في مخالفة الواقع، إلّاأنّ هذا لا يقتضي أن يكون خطابه مقدّميّاً، لأنّ الخطاب المقدّمي هو ما لا مصلحة فيه أصلًا، والاحتياط ليس كذلك؛ لأنّ أهمّيّة مصلحة الواقع دعت إلى وجوبه، فالاحتياط إنّما يكون واجباً نفسيّاً للغير، لا واجباً بالغير، ولذا كان العقاب على مخالفة التكليف بالاحتياط عند تركه وإدّائه إلى مخالفة الحكم الواقعي، لا على مخالفة الواقع، لقبح العقاب عليه مع عدم العلم به، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في خاتمة الاشتغال.
فإن قلت: إنّ ذلك يقتضي صحّة العقوبة على مخالفة الاحتياط، صادف الواقع أو خالفه، لأنّ المفروض كونه واجباً نفسيّاً، وإن كان الغرض من وجوبه هو الوصلة إلى الأحكام الواقعيّة وعدم الوقوع في مفسدة مخالفتها، إلّا أنّ تخلّف الغرض لا يوجب سقوط الخطاب، فلو خالف المكلّف الاحتياط وأقدم على قتل المشتبه وصادف كونه مهدور الدم كان اللازم استحقاقه للعقوبة، لأنّه قد خالف تكليفاً نفسيّاً.