المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤١٢ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
مِنَ الْمُسْلِمِينَ [١] إلى غير ذلك. و لأن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب كثير من العلماء، و ليس خاصا بهذه الأمة، بل يوصف به كل من دخل فى شريعة مقرّا باللّه و بأنبيائه، كما قال الراغب.
* و منها: أن شريعتهم أكمل من جميع شرائع الأمم المتقدمة،
و هذا لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه. و انظر إلى شريعة موسى٧، فقد كانت شريعة جلال و قهر، أمروا بقتل نفوسهم، و حرمت عليهم الشحوم و ذوات الظفر و غيرها من الطيبات، و حرمت عليهم الغنائم، و عجلت لهم من العقوبات ما عجل، و حملوا من الآصار و الأغلال ما لم يحمله غيرهم.
و كان موسى٧ من أعظم خلق اللّه هيبة و وقارا و أشدهم بأسا و غضبا للّه، و بطشا بأعداء اللّه، فكان لا يستطاع النظر إليه.
و عيسى٧ كان فى مظهر الجمال، و كانت شريعته شريعة فضل و إحسان، و كان لا يقاتل و لا يحارب، و ليس فى شريعته قتال البتة، و النصارى يحرم عليهم فى دينهم القتال، و هم به عصاة، فإن الإنجيل يأمر فيه: أن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر و من نازعك ثوبك فأعطه رداءك، و من سخرك ميلا فامش معه ميلين، و نحو هذا، و ليس فى شريعتهم مشقة و لا إصر و لا أغلال. و أما النصارى فابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم و لم تكتب عليهم.
و أما نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- فكان مظهر الكمال، الجامع لتلك القوة و العدل و الشدة فى اللّه، و اللين و الرأفة و الرحمة فشريعته أكمل الشرائع، و أمته أكمل الأمم، و أحوالهم و مقاماتهم أكمل الأحوال و المقامات، و لذلك تأتى شريعته- صلى اللّه عليه و سلم- بالعدل إيجابا له و فرضا، و بالفضل ندبا إليه و استحبابا، و بالشدة فى موضع الشدة، و باللين فى موضع اللين، و وضع السيف موضعه، و وضع الندى موضعه، فيذكر الظلم و يحرمه، و العدل و يأمره به، و الفضل و يندب
[١] سورة الذاريات: ٣٦.