نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٦ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
العرب، و القرآن الكريم نزل بلسان العرب، و قد أدرك العرب هذه الصلة، و فهموا ما كان بين القرآن و هذه اللغة من صلة حميمة، فاتجهوا إلى الشعر يدرسونه و يكشفون عن خصائصه لكي يعينهم ذلك على فهم النص القرآني و بيان دلالاته [١] .
و لعلّ الصحابي الجليل عبد اللّه بن عبّاس (ت ٦٨ هـ) من أقدم من نهج في تفسير القرآن الكريم هذا النهج اللغوي، إذ كان يفسر غريبه بالشعر العربي القديم، و في إجابته عن سؤالات نافع بن الأزرق من هذا شيء كثير [٢] . و قد ذكر السيوطي قوله: «إنّ الشعر ديوان العرب، فإذا أخفى علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله اللّه بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منها» [٣] .
فلا غرابة-بعد ذلك-أن يسير بعض من المؤلّفين في الدلالة القرآنية على نهج ابن عبّاس، فيهتّموا بالشاهد الشعري، و لا غرابة أن يأخذ هذا الشاهد مكانه في المؤلّفات الأولى في اللغة و النحو [٤] ، فقد استشهد النحاة و اللغويّون بالشعر و الرجز، البيت أو الأبيات، الشطر و جزء الشطر، المعروف القائل أو المجهول، حتّى أخذ بعض الدارسين المحدثين على أولئك القدماء اعتمادهم الزائد على الشعر دون النثر [٥] .
و قد ظهرت عند علماء العربية ضوابط و معايير حددوها لهذا النوع من الشواهد لعلّ أبرزها معيار الفصاحة للقبائل أو للشعراء الّذين يحتجّ بشعرهم، أو معيار الزمن الّذي يقف فيه عصر الاحتجاج إذ أخذ علماء اللغة و النحو مادتهم عن قبائل منها: «قريش... ثمّ من اكتنفهم من ثقيف، و هذيل، و خزاعة، و بني كنانة، و بني أسد، و بني تميم، و أمّا من بعد عنهم فلم يؤخذ عنهم» [٦] ، و لم
[١] ينظر المدخل إلى البلاغة العربية: ١٦.
[٢] ينظر سؤالات نافع بن الازرق، و التفسير و المفسّرون، ١: ٧٤.
[٣] الإتقان، ١: ١٩٩.
[٤] ينظر منهج الخليل في دراسة الدلالة القرآنية: ١٩٣.
[٥] ينظر الشواهد و الاستشهاد في النحو: ١٣١ و ما بعدها.
[٦] المقدّمة: ١٧٢.