نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠٩ - الرابع فصل في صفة العلم الواقع عند الاخبار
يجب أن يكون قادرا، و القادر يجب أن يكون حيّا على سبيل الجملة، ثمّ علم في بعض الذّوات صحّة الفعل، فلا بدّ من أن يفعل اعتقادا؛ لأنّ تلك الذّات قادرة، و يكون الاعتقاد علما. و كذلك إذا علم في ذات معيّنة أنّها قادرة، و قد تقدّمت الجملة الّتي ذكرناها، فلا بدّ من أن يفعل اعتقادا لكونها حيّة، و يكون هذا الاعتقاد علما. فلا فرق إذن في دخول التفصيل في الجملة بين الضروري و المكتسب، و كما أنّ ما ذكرناه ممكن جائز، فممكن أيضا أن يكون اللّه تعالى يفعل لنا العلم عند سماعنا الاخبار عن البلدان و ما جرى مجراها بالعادة، و ليس في العقل دليل على قطع بأحد الأمرين، فالشكّ في ذلك غير مخلّ بشيء من شروط التكليف.
[أدلّة من قطع على الضرورة و الجواب عنها] و قد تعلّق من قطع على الضرورة بوجوه:
أوّلها: أنّ العلم بمخبر هذه الأخبار لو كان مكتسبا لكان واقعا عن تأمّل حال المخبرين، و بلوغهم إلى الحدّ الّذي لا يجوز أن يكذبوا و هو على ما هم عليه، و هذا يوجب أن يكون من لم يستدلّ على ذلك ممّن ليس هو من أهل الاستدلال و النظر من العامّة و المقلّدين لا يعلمون البلدان و الحوادث الكبار، و معلوم ضرورة الاشتراك في علم ذلك.
و منها: أنّ حدّ العلم الضروريّ قائم في العلم بمخبر أخبار البلدان؛ لأنّ الا نتمكن من إزالة ذلك عن نفوسنا و لا الشكّ فيه، و هذا حدّ العلم الضروريّ.
و منها: أنّ اعتقاد كون هذا العلم ضروريّا صارف قويّ عن النظر فيه و الاستدلال عليه، فكان يجب أن يكون كلّ من اعتقد أنّ هذا العلم ضروريّ غير عالم بالبلدان و الأمصار؛ لأنّ اعتقاده يصرفه عن النظر، و معلوم ضرورة خلاف ذلك.