نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٦ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
فإذا قيل: لو كان ذلك لظهر و انتشر، قيل: يمكن أن يقع على وجه من الخفاء لا يظهر.
ثمّ أكثر ما يدّعى في وجوب ظهور ذلك لو كان عليه الظنّ، فأمّا العلم اليقين المقطوع به فلا يجب حصوله.
و القسم الثاني: إنّما يكون دالاّ إذا وقع عن مخبر مطابق للخبر و قبل أن يقع ذلك لا فرق في الخبر بين أن يكون صدقا أو كذبا، و من المعلوم أن الحجّة بالقرآن كانت لازمة قبل وقوع مخبرات هذه الأخبار.
و أمّا من ذهب في إعجازه إلى زوال الاختلاف عنه و التناقض مع طوله، و ادّعى أن ذلك ممّا لم يجربه العادة في كلام طويل بمثله، و الّذي يبطل قوله: انه لا شبهة في أن ذلك من فضائل القرآن و من آياته الظاهرة، لكنّه لا ينتهي إلى أن يدّعى أنه وجه إعجازه، و أن العادة انخرقت به؛ لأن الناس يتفاوتون في زوال الاختلاف و التناقض عن كلامهم، و ليس يمتنع أن يزول عن الكلام ذلك كلّه مع التيقظ الشديد. و التحفّظ التام، فمن أين لمدعي ذلك أن العادة لم تجر بمثله؟
فأمّا قوله تعالى: وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً [١] فإنّما هو جهة لعلمنا بالقرآن لو كان من عند غيره لكان فيه اختلاف، و إنّما رددنا على من قال إنّي أعلم ذلك بذلك قبل العلم بصحّة القرآن، و جعله وجه إعجازه [٢] .
- *إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ (٢٦) اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ (٢٧) [البقرة: ٢٦ و ٢٧] [٣] .
[١] سورة النساء، الآية: ٨٢.
[٢] الذخيرة: ٣٦٤.
[٣] أخترنا هذه الآية للبحث عن الجبر و القدر تبعا للعلاّمة الطباطبائي رحمه اللّه في تفسيره القيّم «الميزان» و لأنّ السيّد رحمه اللّه أيضا استشهد بها في كلامه.