نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠٢ - السادس عشر فصل فيما يعرف به تأريخ النّاسخ و المنسوخ
قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، و عن ادّخار لحوم الأضاحيّ، ألا فادّخروا ما بدا لكم» [١] . و مثال الثاني أن يتضادّ حكم النّاسخ و المنسوخ، و يمتنع اجتماعهما في التّعبّد، فيعلم بذلك أن أحدهما ناسخ للآخر.
[السادس عشر]: فصل فيما يعرف به تأريخ النّاسخ و المنسوخ
اعلم أنّ أقوى ما علم به التّاريخ أن يكون في اللفظ، و إنّما يصحّ أن يكون في لفظة النّاسخ دون المنسوخ إذا كان مذكورا على جهة التفصيل، و قد يكون على جهة الجملة في لفظ المنسوخ، نحو أن يقول: افعلوا كذا إلى أن أنسخه عنكم، و لو قال: إلى أن أنسخه في وقت كذا؛ لكان وقت زوال العبادة معلوما بلفظ إيجابها، فيخرج بذلك من باب النسخ.
و قد يعلم التأريخ-أيضا-بأن يضاف إلى وقت أو غزاة يعلم بها تقدّم وقت المنسوخ؛ لأنّ الغرض معرفة المتأخّر و المتقدّم، فلا فرق بين ذكر الزّمانين، أو ذكر ما يضاف إليهما، ممّا يعلم به التقدّم و التأخّر.
و قد ذكر أيضا أن يكون المعلوم من حال أحد الراويين أنّه صحب النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بعد ما صحبه الآخر، و أن عند صحبته انقطعت صحبة الأوّل. و لا بدّ من أن يشترط في ذلك أن يكون الّذي صحبه أخيرا لم يسمع منه صلى اللّه عليه و آله و سلم شيئا قبل صحبته له؛ لأنّه غير ممتنع أن يراه أوّلا، فيسمع منه و هو كافر، أو غير مصاحب، ثمّ يراه ثانيا، و يختصّ بمصاحبته.
فأمّا إذا علم تقدّم أحد الحكمين و تأخّر الآخر بالعادة، أو ما يجري مجراها؛ فلا شكّ في أنّ الثاني هو النّاسخ، و مثال ذلك أن يكون حكم أحدهما مستمرّا على حكم العقل، و الآخر ثابت بالشرع. و يدخل فيه أن يكون أحدهما
[١] انظر صحيح مسلم، ٦: ٨٢ و سنن ابن ماجة، ١: ٥٠١؛ مع اختلاف في الألفاظ.