نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٧
ثم قال: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ، و المعنى أنّهما لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عنه، و يبلغ من نهيهما و صدّهما عن فعله و استعماله أن يقولا: إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاََ تَكْفُرْ باستعمال السحر و الإقدام على فعله، و هذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا، و لقد بالغت في نهيه حتى قلت له: إنّك إن فعلته أصابك كذا و كذا؛ و هذا هو نهاية البلاغة في الكلام؛ و الاختصار الدالّ مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة؛ لأنّه استغنى بقوله تعالى: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ عن بسط الكلام الذي ذكرناه؛ و لذلك نظائر في القرآن، قال اللّه تعالى: مَا اِتَّخَذَ اَللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَ لَعَلاََ بَعْضُهُمْ عَلىََ بَعْضٍ [١] ، فلولا الاختصار لكان مع شرح الكلام يقول: ما اتّخذ اللّه من ولد و ما كان معه من إله، و لو كان معه إله إذا لذهب كلّ إله بما خلق؛ و مثله قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [٢] ، أي: فيقال للّذين اسودّت وجوههم: أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا و أمثاله أكثر من أن تورد.
ثم قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ، و ليس يجوز أن يرجع الضمير في هذا الجواب إلى الملكين؛ و كيف يرجع إليهما و قد نفى عنها التعليم!بل يرجع إلى الكفر و السحر، و قد تقدّم ذكر السحر، و تقدّم أيضا ذكر ما يدلّ على الكفر و يقتضيه في قوله: وَ لََكِنَّ اَلشَّيََاطِينَ كَفَرُوا؛ فدلّ «كفروا» على الكفر، و العطف عليه مع السحر جائز، و إن كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه؛ و مثل ذلك قوله تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشىََ `وَ يَتَجَنَّبُهَا اَلْأَشْقَى [٣] ، أي يتجنّب الذكرى الأشقى، و لم يتقدّم تصريح بالذّكرى، لكن دلّ عليها قوله:
سَيَذَّكَّرُ.
و يجوز أيضا أن يكون المعنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا، أي بدلا ممّا علّمهم
[١] سورة المؤمنون، الآية: ٩١.
[٢] سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
[٣] سورة الأعلى، الآيتان: ١٠-١١.