نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٧ - فصل معنى خلق الأشياء كلها
و ممّا يبيّن ذلك أيضا أنّ اللّه أوجب علينا أن نرضى بقضائه و لا نسخطه، و أوجب علينا أن نسخط الكفر و لا نرضاه، فعلمنا أنّ الكفر ليس من قضاء ربّنا.
و ممّا يبيّن ذلك أنّ اللّه تعالى أوجب علينا أن ننكر المنكر و أن نمنع الظلم، فلو كان الظلم من قضاء ربّنا كان أوجب علينا أن ننكر قضاءه و قدره، فلمّا لم يجز أن يوجب اللّه تعالى إنكار قضائه و لا ردّ قدره، علمنا أنّ الظلم ليس من قضائه و لا قدره.
و أيضا قال اللّه تعالى في كتابه: وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ [١] و قال:
يَقْضِي بِالْحَقِّ [٢] فعلمنا أنّ ما كان بغير الحقّ غير ما قضي بالحقّ، فلو كان قتل الانبياء من قضاء اللّه كان حقّا، و كان يجب علينا الرضا به، لأنّه يجب علينا الرضا بقضاء اللّه، و قد أمر اللّه تعالى أن لا يرضى بغير الحقّ و لا يرضى بقتل الأنبياء، فعلمنا أنّ قتلهم ليس بقضاء ربّنا و لا من فعل خالقنا.
و ممّا يبين أنّ اللّه تعالى لم يقدّر الكفر قوله تعالى في كتابه: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (١) `اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى (٢) `وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىََ (٣) [٣] و لم يقل: إنّه قدّر الضلال على خلقه، و لا قدّر الشقاء على خلقه؛ لأنّه لا يجوز أن يتمدّح بأنّه قدّر الضلال عن الحقّ، و كلّ ضلال عن الحقّ فمن تقديره، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
فصل معنى خلق الأشياء كلها
فإن قيل: فما معنى قول اللّه تعالى: خََالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [٤] وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [٥] ؟
قيل له: إنّما أراد به خلق السماوات و الارض و الليل و النهار و الجنّ
[١] سورة البقرة، الآية: ٦١.
[٢] سورة غافر، الآية: ٢٠.
[٣] سورة الأعلى، الآيات: ١-٣.
[٤] سورة الأنعام، الآية: ١٠٢.
[٥] سورة الأنعام، الآية: ١٠١.