نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٢
يكون الأمر قبيحا؛ و إذا كان الأمر قبيحا لم يحسّنه أن يكون فيه لطف لبعض المكلّفين؛ بل يمنع منه كما يمنع من أن يلطف لبعض المكلّفين بما هو قبيح في نفسه؛ فلم يبق بعد إبطال هذا الوجه إلاّ الوجهان الأخيران؛ من الاستسلام لمن يقتلهم القتل الذي استحقّوه، أو قتل بعضهم بعضا؛ فقد روي أنّهم برزوا بأسيافهم؛ و اصطفّوا صفّين يضرب بعضهم بعضا، فمن قتل منهم كان شهيدا، و من نجا كان تائبا.
و يمكن في الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسّرين سبق إليه؛ و هو إن لم يزد في القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ و هو أن يكون المراد بقوله تعالى:
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي اجتهدوا في التوبة ممّا أقدمتم عليه، و الندم على ما فات، و إدخال المشاقّ الشديدة عليكم في ذلك؛ حتّى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ و قد يسمّى من فعل ما يقارب الشيء باسم فاعله، و مذهب أهل اللغة في ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، و فلان قتله العشق، و أخرج نفسه، و أبطل روحه، و ما جرى مجرى ذلك؛ و إنّما يريدون المقاربة و المشارفة و المبالغة في وصف التناهي و الشدّة؛ فلمّا أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهي و المبالغة في الندم على مافات، و بلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنّما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا و توسّعا، و حمل الكلام على حقيقته أولى!.
الجواب: أنّ الوجهين اللذين ذكرهما المفسّرون في هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، و الاستسلام للقتل مبنيّان أيضا على المجاز؛ و ظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأنّ الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ و إنّما سمّي باسمه من حيث يؤدّي إليه، و كذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأنّ القاتل غير المقتول؛ و ظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول.
و أمّا استشهادهم في تقوية هذا الوجه بقوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى