نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٨
حيث ظنّ أن العقوبة لا تكون إلاّ في محلّ الذّنب، و هذا القول يوجب عليه ألاّ يجلد ظهر الزاني، و تختص العقوبة بفرجه، و كذلك القاذف كان يجب أن يعاقب في لسانه دون سائر أعضائه؛ و الخبر الذي استشهد به حجّة عليه، لأنّا نعلم أنّ اللسان أقوى حظأ في باب الكلام من الشّفة، فلم لم يخصّ بالعقوبة و حلّت بالشفاه دونه؟ثم غلطه في تأويل الآية التي أوردها أقبح من كل ما تقدّم؛ لأنّه توهّم أنّ ما تضمّنته الآية من تخبّط آكل الربا و تعثّره عند القيام إنّما هو في الدنيا من حيث يثقل ما أكله في معدته فيمنعه من النّهوض؛ و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك، و نجد كثيرا من آكلي الربا أخفّ نهوضا، و أسرع قياما و تصرّفا من غيرهم؛ ممّن لم يأكل الربا قطّ؛ و المعنى في الآية هو ما ذكره المفسّرون من أنّ ما وصفهم اللّه تعالى به يكون عند قيامهم من قبورهم، فليحقهم العثار و الزّلل و التّخبّل على سبيل العقوبة لهم، و ليكون ذلك أيضا أمارة لمن يعاقبهم من الملائكة و الخزنة على الفرق بين الوليّ و العدوّ، و مستحقّ الجنة و مستحقّ النار. و ليس بمعروف و لا ظاهر أنّ الأجذم هو المجذوم؛ و ردّ ابن قتيبة معناه و اشتقاقه إلى الجذم الذي هو القطع يوجب عليه أن يكون كلّ داء يقطّع الجسد و يفرّق أوصاله كالجدريّ و الأكلة و غيرهما، يسمّى جذاما، و يسمّى من كان عليه أجذم، و هذا باطل.
و أمّا قول الشاعر [١] :
حرّق قيس علي البلا # د حتّى إذا اضطرمت أجذما
فليس من هذا الباب؛ بل هو من الإجذام الذي هو الإسراع؛ فكأنّه قال:
لمّا اضطرمت أسرع عني، و تباعد مني. و الإجذام، بالذال المعجمة و الدال غير المعجمة جميعا: الإسراع؛ فأمّا قول عنترة في وصف الذّباب [٢] :
[١] هو الربيع بن زياد العبسي، من أبيات في (الحماسة بشرح التبريزي ٢/٦١-٦١/٦٣) ، و اللسان (جذم) .
[٢] من المعلقة بشرح التبريزي ص ١٨٠، و قبله:
و خلا الذّباب بها فليس ببارح # غردا كفعل الشّارب المترنّم
غ