نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٨
الملكان، و يكون المعنى أنّهم يعدلون عمّا علّمهم و وقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلّمه و استعماله؛ كما يقول القائل: ليت لنا من كذا و كذا كذا!أي بدلا منه، و كما قال الشاعر:
جمعت من الخيرات وطبا و علبة # و صرّا لأخلاف المزمّمة البزل
و من كلّ أخلاق الكرام نميمة # و سعيا على الجار المجاور بالمحل
يريد جمعت مكان الخيرات، و مكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.
و قوله: مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكونوا يغوون أحد الزوجين، و يحملونه على الكفر و الشرك باللّه تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرّق بينهما اختلاف النّحلة و الملّة.
و الوجه الآخر: أن يسعوا بين الزّوجين بالنميمة و الوشاية و الإغراء و التمويه بالباطل؛ حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة.
و ثالث الوجوه: في الآية أن يحمل «ما» في قوله: وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ على الجحد و النفي، فكأنه تعالى قال: وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ عَلىََ مُلْكِ سُلَيْمََانَ وَ مََا كَفَرَ، و لا أنزل اللّه السحر على الملكين، وَ لََكِنَّ اَلشَّيََاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ اَلسِّحْرَ وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ بِبََابِلَ هََارُوتَ وَ مََارُوتَ و يكون قوله:
بِبََابِلَ هََارُوتَ وَ مََارُوتَ من المؤخّر الذي معناه التقديم، و يكون-على هذا التأويل-هاروت و ماروت رجلين من جملة الناس، هذان أسماهما؛ و إنّما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا و تبيينا، و يكون الملكان المذكوران اللذان نفى عنهما السحر جبرائيل و ميكائيل عليهما السّلام؛ [لأنّ سحرة اليهود-فيما ذكر-كانت تدّعي أن اللّه تعالى أنزل السحر على لسان جبرائيل و ميكائيل]إلى سليمان بن داود عليه السّلام، فأكذبهما اللّه تعالى بذلك.
و يجوز أن يكون هاروت و ماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنّه قال: و لكن الشياطين: هاروت و ماروت كفروا؛ و يسوغ ذلك كما ساغ في قوله تعالى: