نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٩ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
يكون معنى الكلام و قالت اليهود يد اللّه مغلولة فغلّت أيديهم، أو و غلّت أيديهم، و أضمر تعالى الفاء و الواو، لأنّ كلامهم تمّ و استؤنف بعده كلام آخر، و من عادة العرب أن تحذف فيما يجري مجرى هذا الموضع» [١] . ثمّ احتجّ لهذا التوجيه اللغوي بقوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ مُوسىََ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً [٢] ، فقال: أراد: فقالوا أتتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى عليه السّلام [٣] .
[و سنذكر]عناية المرتضى بهذا الأسلوب في كلامنا على الدلالة السياقية، إذ عوّل كثيرا على الآيات المحيطة بالمفردة المراد تفسيرها، و اتّخذ من سياق الآية قرينة لغوية لتعيين دلالة اللفظة، ففي بيانه لدلالة قوله تعالى: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ [٤] ، ذكر وجهين: أحدهما «أن يكون «فلا» بمعنى الجحد و بمنزلة «لم» ، أي فلم يقتحم العقبة؛ و أكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا» كما قال سبحانه: فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى [٥] أي لم يصدّق و لم يصلّ، ... » [٦] ، ثمّ يضيف:
«و قلما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتني وزرتني، يريدون: ما جئتني، فإن قالوا: لا جئتني و لا زرتني صلح؛ إلاّ أن في الآية ما ينوب مناب التكرار و يغني عنه، و هو قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [٧] فكأنه قال: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ و لا آمن، فمعنى التكرار حاصل» [٨] .
و واضح هنا أن الشريف المرتضى يرى أن مجيء «لا» بمعنى «لم» أكثر ما يكون بتكرير لفظ «لا» ، و هو رأي الخليل بن أحمد، الّذي عدّ هذا الوجه هو الأفصح، إذ يقول في تفسير الآية: «و أما قوله: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ فـ «لا» بمعنى «لم» كأنّه قال: فلم يقتحم العقبة... إلاّ أن «لا» بهذا المعنى إذا كررت أفصح
[١] أمالي المرتضى، ٢: ٤.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٦٧.
[٣] أمالي المرتضى، ٢: ٥.
[٤] سورة البلد، الآية: ١١.
[٥] سورة القيامة، الآية: ٣١.
[٦] أمالي المرتضى، ٢-٢٨٨: ٢٨٩، و ينظر معاني القرآن «للأخفش الأوسط» ، ٢: ٥٣٨، و معاني القرآن «للزجّاج» ، ٥: ٣٢٩.
[٧] سورة البلد، الآية: ١٧.
[٨] أمالي المرتضى، ٢: ٢٨٩.