نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٢ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
استحسن الطبري قراءة الخفض مؤثرا لها قائلا: «و أعجب القراءتين إلى أن أقرأها قراءة من قرأ خفضا» [١] ، و قد أوّل جرّ لفظه «و أرجلكم» على أنها معطوفة على «رؤوسكم» ، لأن العطف على الرؤوس مع قربه منه «أي من الأرجل» أولى من العطف على الأيدي، و قد فصّل بينه و بينها بقوله تعالى: وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [٢] . و إلى هذا المعنى ذهب ابن هشام الأنصاري، فقد ذكر أن العطف لو كان على الوجوه و الأيدي للزم ذلك أن يفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية و هي: وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و إذا حمل العطف، أعني عطف الأرجل-على الرؤوس لم يلزم الفصل بالأجنبي، و الأصل أن لا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلا عن جملة [٣] .
و ذكر المرتضى الرأي القائل: إنّ الأرجل إنّما انجرت بالمجاورة لا لعطفها في الحكم على الرؤوس، ورد هذا القول لأسباب منها: ان الإعراب بالمجاورة شاذّ نادر... و لا يجوز حمل كتاب اللّه عزّ و جلّ على الشذوذ الّذي ليس بمعهود و لا مألوف. و منها: انّ الإعراب بالمجاورة عند من أجازه إنّما يكون مع فقد حرف العطف... و منها انّ الإعراب بالمجاورة إنّما استعمل في الموضع الّذي ترتفع فيه الشبهة و يزول اللبس... » [٤] . و قد سبق أن اشار الزجاج إلى هذا التأويل، فقد أنكر أن تكون هذه اللفظة مجرورة على الجوار، و أبى أن يحمل عليه كتاب اللّه تعالى ذكره، متأوّلا جرّ لفظة «و أرجلكم» عطفا على «رؤوسكم» [٥] . و أنكر النحاس الجرّ على الجوار، وعده غلطا عظيما في الكلام [٦] . و أنكره ابن خالويه، و حمله على الضرورة في الأمثال و الشعر [٧] .
و هناك من ارتضى الجرّ على الجوار، و من هؤلاء أبو عبيدة [٨] ، و أبو البقاء، إذ
[١] جامع البيان، ٦: ٨٤.
[٢] جامع البيان، ٦: ٨٤.
[٣] ينظر شرح شذور الذهب: ٣٣٢.
[٤] الانتصار: ٢١-٢٢.
[٥] ينظر معاني القرآن، ٢: ١٥٣، و نحو القرّاء الكوفيين: ١٢٥.
[٦] ينظر إعراب القرآن، ٢: ٩.
[٧] نظر الحجّة في القراءات: ١٢٩.
[٨] ينظر مجاز القرآن، ١: ١٥٥.