نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٠ - الثاني فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه و اشتراك هذه الألفاظ الّتي يدّعى فيها الاستغراق
يحسن أن يجيبه بذلك إذا علم عموم استفهامه بطريق منفصل، فما الدّليل على ما ادّعيتموه.
و الّذي يوضح ما ذكرناه أنّه يحسن إذا قيل له: «من عندك» أن يقول: أمن النساء أو الرجال؟و من الأحرار أو العبيد؟و كذلك إذا قيل له: ما أكلت؟يقول:
أمن الحلو أو الفاكهة؟و من كذا أو كذا؟و هذا يدلّ على اشتراك اللفظ بين العموم و الخصوص.
و أمّا قولهم: «جاز أن يكون ذكر بعض العقلاء كذكر بعض البهائم» فباطل، و ذلك أنّ لفظة «من» عندنا و إن لم تكن موضوعة لوجوب استغراق العقلاء، فهي تصلح لأن يقصد بها إلى الاستفهام عن جميعهم، كما يصلح أن يقصد بها إلى الاستفهام عن بعضهم، و هي حقيقة في الأمرين، و لا يصلح في وضع اللّغة للاستفهام بها عن البهائم.
و ليس معنى قولنا أنّها لا تصلح هو أن المتكلّم لا يصحّ أن يقصد بها إلى ذلك، فتكون عبارة عنه؛ لأنّه لا لفظ من الألفاظ إلاّ و يمكن أن يقصد به إلى كلّ معنى، فيكون عبارة عنه، و إن لم يصلح له، و معنى قولنا أنّها لا تصلح أي لا تكون حقيقة في ذلك متى قصد بها إليه، و يكون المتكلّم بها عادلا عن مذهب أهل اللّغة.
فأمّا عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة «من» فلأنّهم لا يبلغون بغيرها ما يبلغون بها، و ذلك أنّ الاستفهام بذكر كلّ واحد باسمه إمّا أن لا يمكن، أو يطول، و ليس في سائر الألفاظ ما يصلح أن يقصد به إلى الاستخبار عن سائر العقلاء جمعا و افترقا إلاّ لفظة «من» ، فهذه مزيّة لها على غيرها ظاهرة.
و ممّا يبطل ما ادّعوه من قيامها مقام ذكر كل عاقل بعينه، أنّه لو كان كذلك لقبح من الاستفهام عند ذكر هذه اللفظة ما يقبح مع ذكر كل عاقل بعينه، و قد علمنا حسن أحد الأمرين و قبح الآخر.
و الجواب عمّا ذكروه ثانيا: أنّ المعروف في الاستثناء من مذهب أهل اللغة