نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٣ - سورة البقرة
و التخصيص لا يخرجه منها-أن يقول: إنّما خصصنا هذه اللفظة في إطلاقها ببعض ضروب التصديق و جعلناها مقيّدة إذا استعملت في غير ذلك الموضع بدليل-و هو العرف الشرعي-لامتناع كلّ مسلم من أن يطلق في عابد الوثن بأنه مؤمن، و في التصديق بالجبت و الطاغوت أنه إيمان، فمن ادّعى أن الإيمان منقول عن التصديق جملة فعليّة الدلالة.
و وجدت بعض من ينصر خلافنا في هذا الموضع يقول: في استعمال اللفظة في غير ما وضعتها العرب ليس بخروج عن اللغة، و يراعى في إضافة اللفظه إلى اللغة صيغتها دون المقصود بها.
و بطلان هذا القول لا نحيله على أحد؛ لأنه لو كان من عبّر ببعض ألفاظ العرب عن غير ما وضعوه له و فيما لم يستملوه فيه لا حقيقة و لا مجازا مخاطبا بلغتهم، لوجب أن يكون هذه حاله و ان فعل ذلك في جميع ألفاظهم حتّى يكون متكلّما بلسانهم، و مخاطبا بلغتهم و ان لم يستعمل شيئا من ألفاظهم فيما وضعوه له، و بطلان ذلك أظهر من أن يخفى.
على أن اللفظة الواحدة الّتي لها صيغة مخصوصة قد يكون لها معنى في لغة العرب، و معنى آخر يخالفه في لغة العجم، فلو كان المراعى في إضافة الخطاب إلى اللغة مجرد الصيغة لوجب أن يكون المستعمل لهذه اللفظة إذا أراد بها أحدم عنييها ما ليس، بأن يكون متكلّما باللغة العربية أولى من لغة العجميّة، و هذا يوجب أن يكون متكلّما باللغتين باللفظة الواحدة في الحقيقة الواحدة.
فإن قيل: ليس يعرف أهل اللغة التصديق إلاّ باللسان، و لا يعرفون تصديقا بالقلب، و إذا جعلتم لفظة «إيمان» و «مؤمن» يرجع التصديق بالقلب فقد خرجتم عن اللغة كما عبتم على مخالفيكم.
قلنا: التصديق بالقلب و اللسان جميعا هو مقتضى اللغة و الحقيقة فيها؛ لأنهم يصفون الأخرس بأنه مصدّق و ان كان لا يقدر على الكلام، و الساكت و ان كان في الحال غير متكلّم و يقولون: فلان يصدق بكذا و لا يصدق بكذا و لا يؤمن بكذا، و لا يريدون إلاّ ما يرجع إلى قلبه دون لسانه.