نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٣ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
من الأوّل و أشبه بقوله: ذََا مَتْرَبَةٍ لأنّ كلّ ذلك مبالغة في وصفه بالضرّ، و ليس من المبالغة في الوصف بالضرّ أن يكون قريب النسب. و اللّه أعلم بمراده [١] .
فالمرتضى-هنا-يؤكد أهمّيّة دلالة اللفظة المقصودة و مناسبتها لسابقاتها و لاحقاتها، و هو يرجح دلالة على دلالة أخرى لأنّه يرى في الدلالة الراجحة أكثر ملاءمة للسياق، و أدلّ على المعنى، و بعبارة أخرى، فهو يجعل السياق مدخلا لفهم المعنى «لأنّه يكشف عن نسق المعاني و يحدد أجزاءها و يربط جملة بجملة، ثمّ يربط الجملتين أو الجمل بما قبلها» [٢] ، و السيّد المرتضى-كما هو واضح-يحاول أن يضع يده على جمالية النظم القرآني و سرّ كماله، من خلال الوقوف على سياق الآيات و ما تؤشر من أفكار، و تومىء إليه من معان.
و يتّضح هذا الفهم لأثر السياق في تفسيره لقوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ [٣] . إذ نراه يقول:
أمّا قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ و إن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك و العلم؛ و إنّما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك، لأنّ إضافة إزجاء السحاب و تأليفه و جميع ما ذكر في الآية إلى اللّه تعالى ممّا لا يستفاد بالإدراك، و إنّما يعلم بالأدلّة» [٤] .
فالمرتضى-هنا-يؤكد أنّ السياق يخلص الألفاظ من اشتراك الدلالات و هذا هو الصحيح، فالألفاظ المشتركة لا يمكن تحديد دلالاتها ما لم تتشح بوشاح السياق.
و يلحظ-هنا أنّ القرآن الكريم استعمل في مواضع متعدّدة الفعل «رأى» بصيغة المضارع للتدليل على الرؤية الفكرية لا الحسّيّة، أو كما يعبر عنها بـ «الرؤية العقلية» ، كما في الآية السابقة كما في قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلىََ رَبِّكَ كَيْفَ
[١] أما لي المرتضى، ٢: ٢٩١.
[٢] البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري: ٢٠٧.
[٣] سورة النور، الآية: ٤٣.
[٤] أما لي المرتضى، ٢: ٢٠٣، و ينظر الأشباه و النظائر: ٢٣٦-٢٣٧.