نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٠ - فصل معنى خلق الأشياء كلها
فإن قال قائل: فما معنى قول اللّه تعالى: وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ؟. [١]
قيل له: إنّما خبّر اللّه عن إبراهيم أنّه حاجّ قومه فقال لهم: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ (٩٥) `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ (٩٦) [٢] يقول نحتم خشبا ثمّ عبدتموه، على وجه التوبيخ، ثمّ قال: وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ يقول خلقكم و خلق الخشب الذي عملتموه صنما، فسمّى الصنم الذي عملوه عملا لهم و إن كان الذي حلّ فيه من التصوير عملهم.
و لما ذكرناه نظائر من القرآن و اللغة: فأمّا القرآن فقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ [٣] و إنّا عملهم حلّ في هذه الامور، فأمّا الحجارة فهي خلق اللّه لا فاعل لها غيره.
و من ذلك أيضا قوله: وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنََا [٤] فالخشب خلق اللّه و العباد نجروه و عملوه فلكا و سفنا.
و من ذلك أيضا قوله: أَنِ اِعْمَلْ سََابِغََاتٍ [٥] فالحديد خلق اللّه و لكن العباد عملوه دروعا، فعمل داود عليه السّلام حلّ في الحديد و الحديد خلق اللّه.
و قال في الحيّة: تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا [٦] و إنّما يريد أنّها تلقف الحبال و العصي التي فيها صنعهم، فكذلك قال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ (٩٥) `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ (٩٦) خلق الخشب الذي يعملون منه صنما، لا أنّ العباد عملوا خلق اللّه، و لا ان اللّه خلق أعمالهم.
و قد يقول القائل: فلان يعمل الطين لبنا، و يعمل الحديد أقفالا، و يعمل الخوص زبلا، كذلك أيضا عملوا الخشب أصناما، فجاز أن يقال: إنّها عمل لهم، كما قيل: إنّهم يعملون الخوص و الطين و الحديد.
ثمّ إنّا نردّ هذا الكلام عليهم فنقول لهم: إذا زعمتم أنّ كفرهم خلقهم،
[١] سورة الصافات، الآية: ٩٦.
[٢] سورة الصافات، الآيتان: ٩٥، ٩٦.
[٣] سورة سبأ، الآية: ١٣.
[٤] سورة هود، الآية: ٣٧.
[٥] سورة سبأ، الآية: ١١.
[٦] سورة طه، الآية: ٦٩.