نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨١
و خالف باقي الفقهاء في ذلك و إن اختلفت أقوالهم... و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، و لأنّ ما ذكرناه أشبه بالعدل؛ لأنّ الجماعة إنّما أتلفت نفسا واحدة فكيف تؤخذ النفوس الكثيرة بالنفس الواحدة؟و إذا اتبعنا في قتل الجميع بالواحد الروايات المتظاهرة الواردة بذلك [١] فلا بدّ فيما ذكرته الإمامية من الرجوع بالدية...
و الذي يدلّ على الفصل الأوّل زائدا على إجماع الطائفة قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ و معنى هذا أنّ القاتل إذا علم أنّه إن قتل قتل كفّ عن القتل، و كان ذلك أزجر له عنه، و كان داعيا إلى حياته و حياة من همّ بقتله، فلو أسقطنا؛ القود في حال الاشتراك سقط هذا المعنى المقصود بالآية، و كان من أراد قتل غيره من غير أن يقتل به شارك غيره في قتله، فسقط القود عنهما.
و ممّا يمكن معارضة من ذهب إلى هذا المذهب به ما يروونه و يوجد في كتبهم في خبر أبي شريح الكعبي من قوله عليه السّلام: فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، إن أحبّوا قتلوا و إن أحبّوا أخذوا الدية [٢] ، و لفظة «من» يدخل تحته الواحد و الجماعة دخولا واحدا.
و يمكن أن يستدلّ أيضا على من خالف في قتل الجماعة بواحد بقوله تعالى: فَمَنِ اِعْتَدىََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدىََ عَلَيْكُمْ [٣] ، و القاتلون إذا كانوا جماعة فكلّهم معتدّ، فيجب أن يعاملوا بمثل ما عاملوا به القتيل.
فإن قالوا اللّه تعالى يقول: اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ [٤] اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ [٥] ، و هذا ينفي أن يؤخذ نفسان بنفس و حرّان بحر.
قلنا: المراد بالنفس و الحرّ هاهنا الجنس لا العدد، فكأنّه تعالى قال: إنّ جنس النفوس تؤخذ بجنس النفوس، و كذلك جنس الأحرار. و الواحد و الجماعة يدخلون في ذلك.
[١] الوسائل، ١٩: ٢٩.
[٢] سنن البيهقي، ٥٢: ٨.
[٣] سورة البقرة، الآية: ١٩٤.
[٤] سورة المائدة، الآية: ٤٥.
[٥] سورة البقرة، الآية: ١٧٨.