نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٧ - سورة البقرة
ألاّ لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا
و من شأن العرب أن تسمّى الشيء باسم ما يقاربه و يصاحبه، و يشتدّ اختصاصه و تعلّقه به، إذا انكشف المعنى و أمن الإبهام؛ و ربّما غلّبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوّة التعلّق بينهما، و شدّة الاختصاص فيهما؛ فمثال الأوّل قولهم للبعير الذي يحمل المزادة: راوية، و للمزادة المحمولة على البعير رواية، فسمّوا البعير باسم ما يحمل عليه؛ قال الشاعر:
مشى الرّوايا بالمزاد الأثقل
أراد بالروايا الإبل؛ و من ذلك قولهم: صرعته الكأس و استلبت عقله، قال الشاعر:
و ما زالت الكأس تغتالنا # و تذهب بالأوّل الأوّل
و الكأس هي ظرف الشراب، و الفعل الذي أضافوه إليها إنّما هو مضاف إلى الشراب الذي يحلّ الكأس إلاّ أنّ[الفراء لا يقول الكأس إلاّ بما فيه]من الشراب؛ و كأنّ الإناء الفارغ لا يسمّى كأسا، و على هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل و التصريع و ما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة؛ لأنّ الكأس على هذا القول اسم للإناء و ما حلّه من الشراب.
و مثال الوجه الثاني ما ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس؛ قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم # لنا قمراها و النّجوم الطوالع
أراد: لنا شمسها و قمرها؛ فغلّب.
و منه قول الآخر:
فقولا لأهل المكّتين: تحاشدوا # و سيروا إلى آطام يثرب و النّخل
أراد بمكّتين: مكة و المدينة، فغلّب.
و قال الآخر: