نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٠ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
منها إذا لم تكرّر» [١] ، و لكن المرتضى و هو مفسّر القرآن بالقرآن ينظر إلى السياق و أثره في توجيه المعنى، فهناك ما ينوب عن التكرار في الآية و هو قوله تعالى:
ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [٢] ، و كان الزجاج قد سبق إلى هذا المعنى، و أشار إلى ذلك بقوله: «المعنى فلم يقتحم العقبة، كما قال: فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى [٣] و لم يذكر «لا» إلاّ مرّة واحدة، و قلما يتكلّم العرب في مثل هذا المكان إلاّ «بلا» مرّتين أو أكثر... و المعنى في «فلا صدّق و لا صلّى» موجود... لأن قوله: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا تدلّ على معنى فلا اقتحم العقبة و لا آمن» [٤] .
و لم يكتف المرتضى و هو يفسّر القرآن بالقرآن بالقرائن المتّصلة المحيطة بالمفردة، بل يعمد إلى الاستدلال بآيات من سور أخرى، و نراه-في بعض الأحيان-يجمع القرائن المتّصلة و القرائن المنفصلة لبيان المعنى المستفاد من النصّ القرآني، ففي قوله تعالى: وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٥] ، يفسّر المرتضى «الغواية» بمعنى الخيبة و حرمان الثواب، فكأنه تعالى قال: «إن كان اللّه يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم و كفركم، و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه، إلاّ أن تقلعوا و تتوبوها» [٦] . و يعلل هذا التوجيه بقوله: «و قد سمّى اللّه تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [٧] ، و ما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه، و أنّ القوم استعجلوا عقاب اللّه تعالى: قََالُوا يََا نُوحُ قَدْ جََادَلْتَنََا فَأَكْثَرْتَ جِدََالَنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ (٣٢) `قََالَ إِنَّمََا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللََّهُ إِنْ شََاءَ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) `وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي [٨] الآية، فأخبر أنّ نصحه لا ينفع من يريد اللّه أن ينزل به العذاب، و لا يغني عنه شيئا» [٩] .
[١] العين، ٨: ٣٥٠.
[٢] سورة البلد: الآية: ١٧.
[٣] سورة القيامة، الآية: ٣١.
[٤] معاني القرآن، ٥: ٣٢٩، و ينظر معاني القرآن «للفرّاء» ، ٣/٢٦٤. و مغني اللبيب ١: ٢٦٩.
[٥] سورة هود، الآية: ٣٤.
[٦] أمالي المرتضى، ٢: ٢٤٦.
[٧] سورة مريم، الآية: ٥٩.
[٨] سورة هود، الآيتان: ٣٢، ٣٤.
[٩] أمالي المرتضى، ٢: ٢٤٦.