نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٤
البقرة الّتي تقدّم ذكرها، و أمرهم بذبحها، فأجيبوا عن غير ذلك. و سواء جعلوا الهاء في «إنّها» عن الشأن و القصّة، أو عن البقرة الّتي أمروا ثانيا و ثالثا بذبحها، كيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدّم أمره لهم بذبحها، فيترك ذلك جانبا، و يذكر صفة ما لم يتقدّم الأمر بذبحه، و إنّما أمروا أمرا مستأنفا به.
و لو كان الأمر على ما قالوه من أنّه تكليف بعد تكليف لكان الواجب لمّا قالوا: مََا هِيَ* و إنّما عنوا البقرة الّتي أمروا ابتداء بذبحها، أن يقول لهم: أيّ بقرة شئتم، و على أيّ صفة كانت، و ما أمرتكم بقبح بقرة لها صفة معيّنة، و الآن فقد تغيّرت مصلحتكم، فاذبحوا الآن ما صفتها كذا و كذا. و إذا قالوا له: مََا لَوْنُهََا يقول: أيّ لون شئتم، و ما أردت لونا بعينه، و الآن فقد تغيّرت المصلحة، و الّذي تؤمرون به الآن بقرة صفراء. و لمّا قالوا في الثالث: مََا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا أن يقول: المأمور به صفراء، على أيّ صفة كانت بعد ذلك، و قد تغيّرت المصلحة، فاذبحوا بقرة، لا ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات. فلمّا عدل تعالى عن ذلك إلى نعت بعد آخر، دلّ على أنّها نعوت للبقرة الأولى.
على أنّه لو جاز صرف الهاء في قوله تعالى: إِنَّهََا إلى الشأن و القصّة-و إن كان المفسّرون كلّهم قد أجمعوا على خلاف ذلك؛ لأنّهم كلّهم قالوا: هي كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، و قالت المعتزلة بالأسر: انّها كناية عن البقرة الّتي تعلّق التكليف المستقبل بذبحها، و لم يقل أحد: انّها للقصّة و الحال-لكان ذلك يفسد من وجه آخر: و هو أنّه إذا تقدّم ما يجوز أن تكون هذه الكناية راجعة إليه، و لم يجر للقصّة و الحال ذكر، فالأولى أن تكون متعلّقة بما ذكر و تقدّم الإخبار عنه، دون ما لا ذكر في الكلام له، و إنّما استحسنوا الكناية عن الحال و القصّة في بعض المواضع، بحيث تدعوا الضرورة، و لا يقع اشتباه، و لا يحصل التباس.
و بعد، فإنّما يجوز إضمار القصّة و الشأن بحيث يكون الكلام مع تعلّق الكناية بما تعلّقت به مفيدا مفهوما؛ لأنّ القائل إذا قال: «إنّه زيد منطلق» و «إنّها قائمة هند» ؛ فتعلّقت الكناية بالحال و القصّة، أفاد ما ورد في الكلام، و صار كأنّه