نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٥ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
بينا أن الشعر ليس بأكثر من حروف تقدّم بعضها على بعض، و جنس الحروف مقدور لكلّ قادر على الكلام من مفحم و غيره، فكيف يكون ذلك مستحيلا، و إنّما أوجب تعذّر الشعر على المفحم فقد العلم بغير شبهة.
أمّا من ذهب في جهة إعجاز القرآن إلى النظم، فربما فسّر الذاهب إلى هذا المذهب قوله بما يرجع إلى الفصاحة و المعاني دون نفس النظم المخصوص، و من فسّر بما يرجع إلى الفصاحة كان قوله داخلا فيما تقدّم فساده.
و إن صرّح بأنه أراد الطريقة و الاسلوب فقد بينا أن طريقة النظم لا يقع فيها تزايد، و لا تفاضل، و لا يصحّ التحدّي فيها إلاّ بالسبق إليها، و أن السبق لا بدّ فيه من وقوع المشاركة بمجرى العادة، و أن كلّ نظم من النظوم لا يعجز أحد عن احتذائه و مساواته، و ان كان بكلام قبيح خال من فصاحة؛ و مضى من هذا ما فيه كفاية.
و أمّا من ذهب في جهة إعجاز القرآن إلى ما تضمنه الإخبار عن الغيوب، و هذا بلا شكّ وجه من وجوه إعجاز جملة القرآن، و ضروب من آياته، و الأدلّة على أنه من اللّه تعالى، و ليس بوجه الّذي قصد بالتحدّي و جعل العلم المعجز.
و الّذي يبطل هذا: أن كثيرا من القرآن خال من خبر بغيب، و التحدّي وقع بسورة غير معيّنة، و أيضا فإنّ الاخبار عن الغيوب في القرآن على ضربين: خبر عن ماض، و خبر عن مستقبل، فالأوّل الأخبار عن أحوال الأمم السالفة، و الثاني مثل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاََ تَخََافُونَ [١] ، و قوله تعالى الم (١) `غُلِبَتِ اَلرُّومُ (٢) `فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) [٢] ، و أمثال ذلك من الأخبار الّتي وقعت مخبراتها موافقة للاخبار عنها.
فأمّا القسم الأوّل: فهو خبر عن أمور كائنة و مشهورة شائعة، و ذلك لا يسمّى خبرا عن غيب، و ليس في ذلك إلاّ ما يمكن المخالف أن يدّعي أنه مأخوذ من الكتب أو من أفواه الرجال.
[١] سورة الفتح، الآية: ٢٧.
[٢] سورة الروم، الآيات: ١-٣.