نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٠ - المقدّمة معيار حجيّة المعارف الدينية من منظار المدرسة البغدادية
و الّذي يمكن على أصولنا المعرفة به من طريق الإجماع أوسع و أكثر ممّا يمكن أن يعلم بالإجماع على مذهب مخالفينا؛ لأنّهم إنّما يعلمون بالإجماع الأحكام الشرعيّة خاصّة، و نحن نتمكّن من أن نعلم بالإجماع زائدا على ذلك فرضا و تقديرا النبوّة و القرآن و ما شاكل ذلك من الأمور الّتي يصحّ أن يتقدّمها العلم بوجوب الإمامة. و لو أجمعت الأمّة في شخص بعينه أنه نبيّهم، و في كلام بعينه أنه كلام اللّه سبحانه، لعلمنا صحّتهما، لسلامة الأصل الّذي أشرنا إليه، و صحّة تقدّمه على هذه المعرفة.
و على هذا يصحّ على مذاهبنا أن يعلم صحّة الإجماع و كونه حجّة من يجهل صحّة القرآن و نبوّة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم؛ لان أصل كونه حجّة لا يفتقر إلى العلم بالنبوّة و القرآن، و على مذهب مخالفينا لا يصحّ ذلك؛ لأنّ الكتاب و السنّة عندهم هما أصل كون الإجماع حجّة [١] .
٤-و يعد المصدر المهمّ الرابع لهذه المدرسة السنّة المتواترة عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السّلام فاشتراط التواتر كما عرفنا إنّما هو لأنّ الخبر لا يكون حجّة في هذه المدرسة إلاّ إذا كان موجبا للعلم، و هذا ينحصر في الخبر المتواتر.
٥-لقد ذكر سلفا أنّ المدرسة البغدادية لا تعتبر الخبر الواحد حجّة، فهو لا يوجب العلم و لا العمل.
يقول السيّد المرتضى في هذا الإطار: «إعلم أنّ في المتكلّمين من يذهب إلى أنّ خبر الواحد لا يجوز من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به، و الصحيح أنّ ذلك جائز عقلا، و إن كانت العبادة ما وردت به» [٢] .
لقد تمّ البحث كثيرا في هذه المسألة و بذلت جهودا حثيثة، و لعلّ الملاحظة المثيرة في هذا الأمر هو ما طرحه الشيخ المفيد و السيّد المرتضى في هذا الإطار و هو إجماع الشيعة حول هذه المسألة، قال الشيخ المفيد: «إنّه لا يجب العلم
[١] الذريعة، ٢: ٦٢٦ و ٦٢٧.
[٢] الذريعة، ٢: ٥١٩.