نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٦ - تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر
صلوات اللّه عليهم يكاد يسقط عند التحقيق؛ لأنّهم إنّما يجوّزون من الذنوب ما لا يستقرّ له استحقاق عقاب، و إنّما يكون حظّه نقص الثواب، على اختلافهم أيضا في ذلك؛ لأنّ أبا علي الجبّائيّ [١] يقول: إنّ الصغيرة يسقط عقابها بغير موازنة، فكأنّهم معترفون بأنّه لا يقع منهم ما يستحقّون به الذمّ و العقاب. و هذه موافقة للشيعة في المعنى؛ لأنّ الشيعة إنّما تنفي عن الأنبياء عليهم السّلام جميع المعاصي من حيث كان كلّ شيء منها يستحقّ به فاعله الذمّ و العقاب؛ لأنّ الاحباط باطل عندهم، و إذا بطل الاحباط فلا معصية إلاّ و يستحقّ فاعلها الذمّ و العقاب، و إذا كان استحقاق الذمّ و العقاب منفيّا عن الأنبياء عليهم السّلام وجب أن تنتفي عنهم ساير الذنوب، و يصير الخلاف بين الشيعة و المعتزلة متعلّقا بالاحباط، فإذا بطل الاحباط فلا بدّ من الاتفاق على أنّ شيئا من المعاصي لا يقع من الأنبياء عليهم السّلام من حيث يلزمهم استحقاق الذمّ و العقاب، لكنّه يجوز أن نتكلّم في هذه المسألة على سبيل التقدير و نفرض أنّ الأمر في الصغائر و الكبائر على ما تقوله المعتزلة، و متى فرضنا ذلك لم نجوّز أيضا عليهم الصغائر لما سنذكره و نبيّنه إن شاء اللّه تعالى.
[تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر و الكبائر: ]
و اعلم أنّ جميع ما تنزّه الأنبياء عليهم السّلام عنه، و نمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إمّا بنفسه أو بواسطة؛ و تفسير هذه الجملة: أنّ العلم المعجز إذا كان واقعا موقع التصديق لمدّعي النبوّة و الرسالة، و جاريا مجرى قوله تعالى له: صدقت في أنّك رسولي و مؤدّ عني، فلا بدّ من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على اللّه سبحانه في ما يؤدّيه عنه؛ لأنّه تعالى لا يجوز أن يصدق
[١] الجبائي: هو محمّد بن عبد الوهاب الجبائي يكنى بأبي علي و هو من أئمة المعتزلة و رئيس علماء الكلام في عصره، و إليه تنسب الطائفة الجبائية.