نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٥ - فصل في جهة دلالة القرآن على النبوّة
بالفصاحة لم يجربه العادة بأن اللّه تعالى يفعلها، فدلالة القرآن على هذا الوجه مستندة إلى خرق العادة بهذه العلوم. و إذا علمنا بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم إنّ القرآن من فعل ربّه تعالى لا فعله قطعنا على الوجه الأوّل.
و إلى هذا المذهب كان يذهب أبو علي الجبائي و ابنه أبو هاشم و من وافقهما.
و كان أبو القاسم يذهب إلى أن تأليف القرآن و نظمه غير مقدور من العباد، و استحالة ذلك منهم كاستحالة إحداث الأجسام.
و قال قوم: إنه كان معجزا لاختصاصه بنظم مخالف للمعهود.
و أسند قوم إعجازه إلى ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب.
و آخرون ذهبوا إلى أن وجه ذلك زوال التناقض عنه و الاختلاف على وجه لم تجر العادة بمثله.
و نحن نبطل هذه المذاهب سوى القول بالصّرفة، و نوجه كلامنا إلى مذهب القائلين بوجه الإعجاز من جهة الفصاحة؛ فإن الكلام معهم أوسع و مذهبهم أقوى شبهة.
و الّذي يدلّ على ما أخترناه من صرف القوم عن المعارضة و انها لم تقع لهذا الوجه، لا لأن فصاحة القرآن خرقت العادة: أنه لو كان القرآن خارقا للعادة بفصاحته لوجب أن يكون بينه و بين كلّ كلام يضاف إليه التفاوت الشديد و الشاق البعيد كما يكون بين ما هو معتاد و ما هو خارق للعادة، فكان لا يشتبه فصل ما بينه و بين ما يضمّ إليه من أفصح كلام العرب على ما لا يشتبه عليه الفصل بين الكلامين الفصيحين بينهما من التفاوت دون ما بين القرآن و غيره.
و قد علمنا أن أحدنا يفصل بلا رؤية و لا فكرة بين شعر الطبقة الاولى من الشعراء و بين شعر المحدثين، و لا يحتاج في هذا الفصل إلى الرجوع إلى ذوي الغايات في علم الفصاحة. و معلوم أنه ليس بين كلام فاضل الشعراء و بين كلام مفضولهم القدر الّذي بين المعتاد و الخارق للعادة.
و إذا ثبت ذلك و كنا لا نفرق بين بعض قصار سور المفصّل و بين أفصح شعر العرب و أبرع كلامها، و لا يظهر لنا تفاوت ما بين الكلامين الظهور الذي قد