نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٥
قبلنا، و قد علم أنّه عني بذلك أهل الكتاب، و أنّهم لم يكلفوا في معرفة ما كتب عليهم من الصيام إلاّ العدد و الحساب، و قد بيّن اللّه تعالى ذلك بقوله في الآية:
أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ. و هذا نصّ من الكتاب في موضع الخلاف، يشهد بأنّ فرض الصيام المكتوب أيام معدودة، حسب ما اقتضاه التشبيه بين الصومين، و ما فسّره بقوله: أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ فإذا وجب ذلك فالمحفوظ من العبادات محفوظ بعدده، محروس بمعرفة كمّيته، لا يجوز عليه تغييره ما دام فرضه لازما على وجه.
فهذا هو الذي نذهب إليه في شهر رمضان، من أنّ نية معرفته بالعدد و الحساب، و أنّه محصور بعدد سالم من الزيادة و النقصان، و لو لا ذلك لم يكن لقوله تعالى: أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ معنى يستفاد.
يقال له: ما رأينا أبعد عن الصواب و موقع الحجّة من هذا الاستدلال؛ لأنّ اللّه تعالى إنّما جمع بين ما كتبه علينا من الصيام، و بين ما كتبه على من كان قبلنا، و تشبه أحدهما بصاحبه في صفة واحدة و هي أنّ هذا مفروض مكتوب، كما أنّ ذلك مفروض مكتوب، فجمع في الايجاب و الالزام، و لم يجمع بينهما في كلّ الصفات.
ألا ترى أنّ العدد فيما فرض علينا من الصيام، و فيما فرض على اليهود و النصارى مختلف غير متّفق، فكيف يدعى أنّ الصفات و الأحكام واحدة.
على أنّا لو سلمنا أنّ الآية تقتضي التشبيه بين الصومين في كلّ الأحوال- و ليس الأمر كذلك-لم يكن لهم في الآية حجّة؛ لأنّا لا نعلم أنّ فرض اليهود و النصارى في صومهم العدد دون الرؤية، و اليهود يختلفون في طريقتهم إلى معرفة الشهورة فمنهم من يذهب إلى أنّ الطريق هو الرؤية، و آخرون يذهبون إلى العدد، و إذا لم يثبت أنّ أهل الكتاب كلّفوا في حساب الشهور العدد دون الرؤية، سقط ما بنوا الكلام عليه و تلاشى.
فأمّا قوله تعالى: أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ فلم يرد به أنّ الطريق إلى إثبات هذا؛ ييظظ الصيام و تعيينه هو العدد دون الرؤية، و إنّما أراد تعالى أحد أمرين: إمّا أن