نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٩ - المنهج التفسيري للسيّد المرتضى
و قد اقترنت الآيات القرآنية بدواع و أسباب في شأن نزولها. و يراد بأسباب النزول «ما نزلت الآية أو الآيات متحدّثة عنه أو مبيّنة لحكمه أيّام وقوعه» [١] .
فسبب نزول الآية-إذن-يعدّ قرينة دلالية تحيط بالنصّ من الخارج، يستعان بها في فهم المعنى و توجيهه، و هي «طريق قوي في فهم معاني القرآن» [٢] .
و يذهب بعض المفسّرين إلى «امتناع معرفة تفسير الآية، و قصد سبيلها من دون الوقوف على قصّتها و بيان نزولها» [٣] .
و تعدّ أسباب النزول من القرائن الدلالية الّتي اعتمد عليها الشريف المرتضى في بيانه لدلالة النصّ القرآني، فهو حين يقف عند قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ [٤] .
يقول: «المراد بالسيّئة هاهنا الأمراض و المصائب و القحط، لأنّ قريشا كانت إذا نزل بها خصب و خفض قالوا: هذا من عند اللّه، و إذا نزل بهم شدّة و مجاعة قالوا:
هذا شؤم محمّد-حاشا له من ذلك-فيبيّن تعالى أنّ ذلك كلّه من اللّه تعالى» [٥] .
فالشريف المرتضى يصرف دلالة اللفظة «السيّئة» عن معنى الذنب أو الخطيئة إلى معنى المصائب و الأمراض، و يتّخذ من سبب النزول دليلا يعضد به رأيه، ذلك لأنّ المجبرة اتّخذوا من هذه الآية دليلا على أنّه سبحانه و تعالى خالق لأفعال العباد، و هو ما يرفضه المرتضى الّذي يقول بمبدأ العدل.
و قد عدّ الشيخ الطوسي رحمه اللّه هذه الآية من المتشابه، و ردّها إلى آية أخرى محكمة هي قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [٦] ، الّتي وجد فيها «دلالة على أنّ المعاصي ليست من عند اللّه، بخلاف ما تقوله المجبّرة، و لا من فعله. لأنّها لو كانت من فعله لكانت من عنده... » [٧] .
[١] مناهل العرفان في علوم القرآن: ٩٩.
[٢] لباب النقول في أسباب النزول: ٥.
[٣] أسباب النزول: ٤.
[٤] سورة النساء، الآية: ٧٨.
[٥] رسائل الشريف المرتضى، ٣: ١٩٤، (مسألة في خلق الأفعال) ، و ينظر معاني القرآن، ٢: ٧٩.
[٦] سورة آل عمران: الآية: ٧٨.
[٧] التبيان في تفسير القرآن، ٢: ٥٠٩.