نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٥ - الثالث فصل في أنّه تعالى يجوز أن يخاطب بالعموم و يريد به الخصوص
و تحقيق الخلاف في ذلك بيننا و بينهم أن ألفاظ العموم يدعون أنها موضوعة للاستغراق في اللّغة مختصّة به، إذا استعملت فيما دونه كانت مجازا، و نحن نقول: أنّ هذه اللّفظة تصلح في وضعهم للاستغراق و ما دونه، و هي في الأمرين حقيقة، فمن تكلّم بها و أراد العموم، كان متكلّما بها على حقيقتها، و كذلك إذا أراد الخصوص، فإنّها حقيقة فيه، فكونها حقيقة في العموم لا نزاع فيه و إنّما الاختلاف في الاشتراك أو الاختصاص [١] .
[الثالث]: فصل في أنّه تعالى يجوز أن يخاطب بالعموم و يريد به الخصوص
إعلم أنّه لا شبهة في ذلك على مذهبنا في العموم؛ لأنّا نذهب إلى أنّ ألفاظ العموم حقيقة في العموم و الخصوص معا، فمن أراد كلّ واحد من الأمرين بها، فما خرج عن الحقيقة إلى المجاز. و على مذهب من خالفنا و قال: أنّ هذه الألفاظ موضوعة للاستغراق دون غيره، و أنّها إذا استعملت في الخصوص، كانت مجازا، فكلام واضح؛ لأنّ اللّه تعالى قد يجوز أن يخاطب بالمجاز، كما يخاطب بالحقيقة، و في القرآن من ضروب المجاز ما لا يحصى. و أكثر ألفاظ القرآن الّتي ظاهرها العموم قد أريد بها الخصوص.
غير أنّه لا بدّ في الخطاب بالمجاز من وجه في المصلحة زائد على وجهها في الخطاب على جهة الحقيقة، و يمكن أن يكون الوجه في ذلك التعريض لزيادة الثواب؛ لأنّ النظر في ذلك و التأمّل له يشقّ، و يستحقّ به زيادة الثواب، كما نقوله في حسن الخطاب بالمتشابه. و يجوز أن يعلم أنّه يؤمن عند ذلك و يطيع من لولاه لم يطع.
و لا يجوز أن تتساوى الحقيقة و المجاز عند الحكيم في جميع الوجوه،
[١] الذريعة، ١: ٢٠١.