نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١٣ - الرابع فصل في صفة العلم الواقع عند الاخبار
الملحدة و البراهمة و اليهود إلى صدقهم، و إن اضطرّوا إلى العلم بما يخبرون به من البلدان و ما أشبهها.
و دليلهم على الشرط الثالث أنّه لو لم يكن ذلك معتبرا، لجاز أن يكون في الناس من يخبره الجماعة الكثيرة عن مشاهدة و لا يعلم مخبرهم، و تجويز ذلك يقتضي أن يصدّق من خبّرنا عن نفسه بأنّه لا يعلم أن في الدنيا بلدا يعرف بمصر و ما جرى مجراها.
[شبهة البلخي و الجواب عنها] و أمّا البلخي فإنّه يتعلّق في نصرة مذهبه بأن يقول: لا يجوز أن يقع العلم الضروريّ بما ليس بمدرك، و مخبر الإخبار عن البلدان أمر غائب عن إدراك من لم يشاهد ذلك، فلا يجوز أن يكون ضروريّا؛ لأنه لو جاز أن يكون العلم بالغائب عن الحواسّ ضروريّا، جاز أن يكون العلم بالمحسوس مستدلاّ عليه.
و ربما تعلّق في ذلك بأنّ العلم بمخبر الأخبار إنّما يحصل بعد تأمّل أحوال المخبرين بها و صفاتهم، فدلّ ذلك على أنّه مكتسب.
فيقال له في شبهته الأولى: لم زعمت أنّ العلم بالغائب عن الحسّ لا يكون ضروريّا؟!أو ليس اللّه تعالى قادرا على فعل العلم بالغائب عن الحسّ مع غيبته؟! فما المنكر من أن يفعله بمجرى العادة عند إخبار جماعة مخصوصة؟!و ليس له أن يدعي أن ذلك ليس في مقدوره، كما يقول: إنّ العلم بذاته لا يوصف بالقدرة عليه؛ لأنّه يذهب إلى أنّ العلم بالمدركات قد يكون من فعل اللّه تعالى على بعض الوجوه، و ليس يفعل العلم بذلك إلاّ و هو في مقدوره، و ليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى؛ لأنّه لا يصحّ وقوعه منه على وجه من الوجوه. و على هذا أي فرق بين أن يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه، و بين أن يفعل هذا العلم بعينه عند بعض الأخبار عنه؟!و إنّما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلاّ عليه؛ لأنّه