نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠١
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إلى آخر الآية إلاّ مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنّه قال تعالى: إذا كنتم تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ و بأن تسلموا الأمر لمن يعلمه و يدبّر أمركم بحسبه أولى.
فإن قيل: كيف علمت الملائكة بأنّ في ذرية آدم عليه السّلام من يفسد في الأرض، و يسفك الدماء؟و ما طريق علمها بذلك؟و إن كانت غير عالمة فكيف يجوز أن تخبر عنه بغير علم!.
قلنا: قد قيل: إنّها لم تخبر و إنّما استفهمت؛ فكأنّها قالت متعرفة: أتجعل فيها من يفعل كذا و كذا؟
و قيل: إنّ اللّه تعالى أخبرها بأنّه سيكون من ذريّة هذا المستخلف من يعصي و يفسد في الأرض، فقالت على وجه التعرّف لما في هذا التدبير من المصلحة و الاستفادة لوجه الحكمة فيه: أتجعل فيها من يفعل كذا و كذا؟.
و هذا الجواب الأخير يقتضى أن يكون في أوّل الكلام حذف و يكون التقدير:
وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً، و إني عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، و يسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ لأنّ ذلك دلالة على الأول؛ و إنّما حذفه اختصارا.
و في جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنّه تعالى لمّا حكى عنهم قولهم:
أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ كان في ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنّه و يظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع و غيرنا يعصي.
و قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يتضمّن أيضا أنّني أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، و ما يكون مخالفا تظنّونه على ظواهر الأمور.
و في القرآن من الحذوف العجيبة، و الاختصارات الفصيحة ما لا يوجد في