نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٨ - فصل في شبهة لهم في الارادة
ممّن له قدرة على الانتصاف منهم في أيّ وقت أراد و لا يخاف الفوت، و لم يكن أيضا ممّن يعلم مقدار الحسنة و الجزاء عليها و السيئة و الأخذ بها.
و أيضا؛ فإنّ السلطان يتألم إذا لم يقع مراده و يسرّ بوقوعه، و كلّ هذه الاوصاف منتفية عن القديم تعالى، ففرق بين الأمرين، و لم يكن للقياس الذي اعتمدوا عليه معنى في هذا الموضع، و إنّما يجب أن يجمع بين المتساويين بعلّة و الامر هاهنا بخلاف ذلك.
ثم يقال لهم: إنّما كان يجب أن يكون عاجزا لو أراد منهم الطاعة إرادة اضطرار و إجبار ثم لم تقع، فأمّا إذا أراد إرادة البلوى و الاختبار فهذا ما لا يغبى إلاّ على المسكين، و إذا كان ذلك كلّه فلا يكون منّا التعجيز للّه تعالى، إذ فعل العباد ما لا يريده من الكفر و لم يفعلوا ما أراده من الإيمان؛ لأنّه لم يرد أن يحملهم عليه حملا و يلجئهم إليه الجاء، فيكون منهم على غير سبيل التطوّع.
و قد بيّن اللّه ذلك في كتابه فقال: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ [١] فأخبر أنّه لو شاء لأحدث آية يخضع عندها الخلق، و لكنّه لو فعل ذلك ما استحقّوا حمدا و لا جزاء و لا كرامة و لا مدحا؛ لأنّ الملجأ لا يستحقّ حمدا و لا جزاء، و إنّما يستحقّ ذلك المختار المستطيع و قد بيّن اللّه ذلك فقال: فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا قََالُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنََا بِمََا كُنََّا بِهِ مُشْرِكِينَ [٢] و قال اللّه عزّ و جلّ:
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [٣] فأخبر أنّه لا ينفع الإيمان إذا كان العذاب و الإلجاء.
و قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً [٤] فأخبر أنّه لا ينفع الإيمان في حال الالجاء.
و قال «عزّ و جلّ» : حَتََّى إِذََا أَدْرَكَهُ اَلْغَرَقُ قََالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرََائِيلَ وَ أَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ [٥] ، و قال اللّه تعالى: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ
[١] سورة الشعراء، الآية: ٤.
[٢] سورة غافر، الآية: ٨٤.
[٣] سورة غافر، الآية: ٨٥.
[٤] سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
[٥] سورة يونس، الآية: ٩٠.