نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥١٧
بينهما فرقا؛ لأنّ الأول مبنيّ على أنّ الحساب في الآية هو الجزاء و المكافأة على الأعمال، و في هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه و عن معنى المحاسبة، و المقابلة بالأعمال و ترجيحها، و ذلك غير الجزاء الذي يفضي الحساب إليه.
و قد طعن بعضهم في الجواب الثاني معترضا على أبي عليّ الجبّائيّ في اعتماده إياه[بأن قال]: مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد، و ليس في خفّة الحساب و سرعة زمانه ما يقتضى زجرا، و لا هو ممّا يتوعّد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة و المجازاة على الأعمال.
و هذا الجواب ليس أبو عليّ المبتدىء به، بل قد حكي عن الحسن البصريّ، و اعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحويّ: و ذكره المفضّل بن سلمة، و ليس الطّعن الذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنّه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، و ليس كذلك، لأنّه تعالى قال: فَإِذََا قَضَيْتُمْ مَنََاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اَللََّهَ كَذِكْرِكُمْ آبََاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ (٢٠٠) `وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ (٢٠١) `أُولََئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمََّا كَسَبُوا وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ (٢٠٢) [١] ، فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب، و راجعا إلى الذين يقولون: رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى: إنّ للجميع نصيبا ممّا كسبوا، فلا يكون وعيدا خالصا؛ بل إمّا أن يكون وعدا خالصا أو وعدا و وعيدا، على أنّه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى:
وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ، على تأويل من أراد قصر الزمان، و سرعة الموافقة وجه و تعلّق بالوعد و الوعيد؛ لأنّ الكلام على كلّ حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، و الإحاطة بخيرها و شرّها؛ و إن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة؛
[١] سورة البقرة، الآيات: ٢٠٠-٢٠٢.